كتاب يبحث في الحب عند أساطين الفكر الأوروبي

طالما بحثت كتب الأنطولوجيا الفلسفية في الإرث العقلي للفلاسفة، مبتعدة عن الجانب العاطفي في فكر هؤلاء، والذي بقي في الظل حتى وقت متأخر. لذا تظل العديد من الجوانب الخاصة والحميمية عند معظم المفكرين والكتّاب خافية عن القراء، لما فيها من سرية محاطة بهالة من القدسية، فيبقى الحب عند رموز الفكر الأوروبي غامضا ينتظر الكشف والإفراج عنه.
السبت 2016/06/04
الحب منذ سقراط يثير جدلا بين الفلاسفة

يبحث كتاب “الفلاسفة والحب” لماري لومونييه وأود لانسولان، في الزوايا الشخصية بحياة أساطين الفكر الأوروبي، مركزا على موضوع “الحب من سقراط إلى سيمون دي بوفوار”، مبحرا في دراسة الحب وحضوره عند الفلاسفة والمفكرين، انطلاقا من سقراط مرورا بكانط ونيتشه، وانتهاء بفلاسفة الوجود في القرن العشرين مارتن هايدغر وجان بول سارتر وسيمون دي بوفوار.

ينطلق الكتاب، الصادر حديثا عن دار التنوير، بترجمة دينا مندور، في البحث عن مفهوم الحب والرغبة في الفكر اليوناني القديم، فتختار لومونييه ولانسولان كتاب “المأدبة” لأفلاطون كنقطة انطلاق للبحث في الهوى وحضوره عند الفلاسفة، ذلك الكتاب الذي يعد “كتابا افتتاحيا وغرائبيا، حيث رسم معالم الرؤية الغربية للحب طوال القرنين التاليين لظهوره”.

الخوف من النساء

يورد الكتاب فكرة أرستوفان، الشاعر الكوميدي وخصم سقراط، عن الحب الذي يرى أن الإنسان في الأصل كان فلكا “ذكرا، أنثى، وخنثى”، وبسبب تطاوله على الآلهة، فصلته هذه الأخيرة إلى قسمين (ذكر وأنثى)، وعاش البشر بعد ذلك يبحثون عن نصفهم الآخر. اعتمادا على ذلك رأى أرستوفان أن النشوة “هي نسيان الذات الزائلة لصالح ذكرى النقصان الدائمة التي تجتاحهم. إنها برهة من الراحة الشاطحة والنابضة".

يقف سقراط موقفا معاكسا لأرستوفان، فهو يرى أن “الخطأ ينشأ من اعتبار وجود الحب متحققا حين نحِب وليس حين نُحَب”، ويرى سقراط أن الحب هو أحد الأسباب لتراجيديا الوجود والتناقض المؤلم للإنسان “والخلاصة أن الإنسان يتطلع إلى الخلود، رغم يقينه أنه فان. وتعاني البنية الميتافيزيقية للحب والرغبة من هذا التمزق".

سارتر صاحب "الوجود والعدم" لم يؤمن أبدا بفشل الحب أو نجاحه، فمن الصعب تقريبا، وبل ومن الغباء أيضا أن نقيم الحب

في الفصل الثاني من الكتاب، تورد الباحثتان مفهوم الحب والرغبة عند الشاعر لوكريس الذي يرى أن الحب هو الحالة “الوحيدة التي كلما زادت فيها رغبتنا في امتلاك الآخر، كلما احترقت قلوبنا برغبة مهلكة”. إذن أين المفر من هذه الرغبة المهلكة؟ يجيب لوكريس بأن الخلاص في الجنس وبأن “نلقي بداخل شخص آخر غير الذي نتوق إليه بالسائل المختزن، بدلا من الاحتفاظ به لذلك الحب المسيطر عليه".

لا شك أن إطلاق صفة “صحراء الحب” على الفيلسوف الألماني كانط قد تثير حفيظة محبيه، لكن الباحث في حياة كانط الشخصية سيجد أن هذا اللقب يليق بـصاحب “نقد العقل المحض”، فالفيلسوف الأعزب عاش حياته كاملة في كونيجسبرغ و”لم نلحظ أي حدث عارض أربك هذه الحياة الفكرية الكاملة”. لا زواج ولا حب ولا حتى نزوات جنسية عابرة مرّ بها فيلسوف العقل الأكبر. وتحت عنوان “روسو المعلم الجنسي” يصف الكتاب علاقة كانط بفكر روسو الجنسي، من ذلك الهوس المخيف لدى كانط وروسو من ممارسة العادة السرية “وتوصيفها بأنها تفوق الانتحار خطرا”.

يهتمّ الكتاب كذلك بالحديث عن الحب عند الفيلسوف “المخلص للعزوبية، والجيش الألماني” آرثر شوبنهاور، حيث يرى الأخير أن الحب هو “الهدف الأخير لكل تطلع إنساني” وفي ذات الوقت هو “أساس كل فعل جاد ومحور كل سخرية”. على عكس مواطنه كانط، اهتم شوبنهاور بمسألة الحب كقضية فلسفية، "لا ترغب النساء في فناء النوع البشري، ولهذا أكرههن”، هكذا يحارب شوبنهاور النساء متفقا مع كانط هنا، وذلك على اعتبار أن المرأة “كائن تافه ومنافق، ولا تهدف إلا إلى إطالة فترة عذاب البشرية”.

لا فشل في الحب

"نعم، أنا قتلتها، أنا قتلت معشوقتي كارمن” هذه الجملة المأخوذة من “أوبرا كارمن”، هي بالذات الجملة التي دونها الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه بخط يده، “لأنه في تلك العبارة تكمن روح الحب التراجيدية التي تشكل جوهر العشق”. متمايزا عن سابقيه من الفلاسفة، عني نيتشه في الحب عناية الشاعر الهائم وفيلسوف الحياة النازع إلى الحرية.

الحب من سقراط إلى سيمون دي بوفوار

يحارب كاتب “هذا هو الإنسان” الدعوة إلى العفة التي قادتها “الأخلاق الكانطية” فهو يدين الدعوة إلى العفة قائلا “الدعوة إلى العفة هي تحريض علني نحو الطبيعة المضادة. إن كل احتقار للحياة الجنسية باستخدام فكرة الدنس هي محاولة اغتيال للحياة. إنها الخطيئة الحقة ضد الروح المقدسة للحياة".

ويصرح نيتشه في فلسفته بأن “الحياة امرأة”، مناقضا كل التأويلات السطحية التي تضعه موضع العدو للمرأة. فعلى عكس مواطنيه شوبنهاور وكانط، سعى نيتشه إلى الزواج، إيمانا منه بالحب كغريزة دافعة للحياة. "لا تذهب إلى امرأتك إلا ومعك سوط” تلك العبارة التي طالما هاجم بها أعداء نيتشه موقفه السلبي من المرأة، لم تُفهم بالصورة التي وضعها نيتشه، فهذه العبارة أطلقها نيتشه بعد صورة التقطها هو ولو سالومي ومنافسه عليها الشاعر الألماني ريلكه، “لو سالومي تمسك سوطا في يدها وتعتلي عربة يجرها مفكران لامعان مسخران هما ريلكه ونيتشه، كرمز صارخ على خضوعهما” كذلك يغدو السوط للرجل/ العاشق، وليس للمرأة.

“زوج من الكلمات والأفكار المتبادلة”، كذلك كان جواب سيمون دي بوفوار عن علاقتها بالفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، تلك العلاقة التي امتدت مذ كان الفيلسوفان طالبين في باريس، حتى نهاية حياتهما في منتصف الثمانينات. يبحث الكتاب في شكل العلاقة المختلف بين سارتر وسيمون دي بوفوار، فهما لم يتزوجا إطلاقا، بل إنهما اتخذا عشاقا في فترات مختلفة من حياتهما، لكن ذلك لم يؤثر على جوهر هذه العلاقة، إذ بقي سارتر وسيمون دي بوفوار مرتبطين بعلاقة تسمو “على العلاقات الزوجية التقليدية".

"بلا عشق، ولا روعة ولكن من أعماقي، بهذه العبارة وصف سارتر علاقة استمرت طوال حياته”. فصاحب "الوجود والعدم"، لم يؤمن أبدا بـ”فشل الحب أو نجاحه، فمن الصعب تقريبا، وبل ومن الغباء أيضا أن نقيّم الحب”.

16