كتاب يتتبع تاريخ الإخوان السري من المجال الدعوي إلى العنف

التعرف على تاريخ جماعة الإخوان المسلمين يظل مفيدا دائما بل هو حاجة معرفية وفكرية وسياسية لأسباب متداخلة، أولها الجانب السري الذي يطغى على الكثير من مراحل تاريخ الجماعة، وأيضا لأن كل التيارات الإرهابية الضالعة اليوم في القتل والترويع نهلت من تراث جماعة الإخوان وتلتقي معها في أغلب مفاصل أدبياتها الفكرية، والسبب الأخير أن الاطلاع على المواقف الإخوانية في مراحل محددة من التاريخ يسمح بتبين التزوير والتزييف الذي تمارسه والانتهازية التي طبعت مواقفها السياسية.
الأربعاء 2017/08/02
عنف متأصل

في أحد مقالاته المنشورة في أربعينات القرن الماضي يقول حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين “ما كان لجماعة الإخوان أن تنكر الاحترام الواجب للدستور باعتباره نظام الحكم المقرر في مصر، ولا أن تحاول الطعن فيه أو إثارة الناس ضده وحضهم على كراهيته. ما كان لها أن تفعل ذلك وهي جماعة مؤمنة مخلصة تعلم أن إهاجة العامة ثورة، وأن الثورة فتنة، وأن الفتنة في النار”.

يلخص هذا المقطع من المقال وجهة نظر البنا في فكرة الثورة، وذلك في سياق دفاعه عن الجماعة ضد الاتهامات التي طالتها بمهاجمة الدستور المصري حينئذ. هكذا كان يؤمن مؤسس الجماعة بأن الثورات على الحكام ما هي إلا فتنة تورد صاحبها في النار، وينأى بنفسه وجماعته عن أي تحريض ضد أنظمة الحكم.

هذا المقال وغيره إضافة إلى عدد من الوثائق التي تعود لجهاز البوليس السياسي المصري خلال النصف الأول من القرن العشرين مثلت جزءا من مادة البحث والاستقصاء التي خاضها الكاتب المصري شريف عارف في رحلته مع تاريخ الإخوان السري، وهو مضمون كتابه الصادر أخيرا في طبعة ثانية منقحة عن دار روزنامة في القاهرة تحت عنوان “الإخوان في ملفات البوليس السياسي”. إلى جانب الوثائق يضم الكتاب شهادات لعدد من الشخصيات المؤثرة في العمل السياسي المصري.

تزوير التاريخ من طبيعة هذه الجماعة على مر العصور، التي تستغل ضعف الذاكرة الوطنية وعدم يقظة المؤرخين

في مقدمته لهذا الكتاب يذكر الكاتب والسيناريست المصري وحيد حامد ما حكاه مؤسس الإخوان حسن البنا في مذكراته الأصلية عن الشيخ الأزهري إمام المسجد في مدينة الإسماعيلية الذي كان يمنعه من إلقاء الدروس في المسجد لأنه لم يكن أزهريا. ولم يستسلم البنا لهذا المنع أو يقبل به، فعمد إلى تقديم كتابين في الفقه إلى إمام المسجد هذا هدية منه لعله يلين، ولكن ظل الحال كما هو عليه، فكانت الخطوة التالية للبنا هي أن أقام وليمة ودعا إليها الشيخ الأزهري.

يقول وحيد حامد “أذكر هذا الأمر الذي ذكره مرشد الجماعة الأول في مذكراته، حتى أدلل على انتهازية التفكير لدى الجماعة، وأن فكرها من فكر مؤسسها، من لا تستطيع السيطرة عليه من خلال عقله عليك بالسيطرة عليه من خلال معدته، والأمر في كلا الحالتين ما هو إلا رشوة، سواء أكانت كتابا أم أكلة دسمة”.

من الدعوة إلى السياسة

يعتمد الكتاب في جزء منه على عدد من مقالات حسن البنا وتصريحاته التي وردت في أعداد صحيفة الإخوان المسلمين. من بين هذه المقالات ينتقي المؤلف مقالا كان قد كتبه البنا في الذكرى العاشرة لتأسيس الجماعة، ويصفه المؤلف بالمقال الأخطر. فقد حدد البنا في هذا المقال رؤية الإخوان من العمل السياسي والأحزاب ورؤيتهم للمستقبل.

ويعد المقال، كما يصفه الكاتب، تحولا جذريا في فكر الجماعة التي كانت تقدم نفسها كجماعة دعوية في الأساس، لكنها ما لبثت أن تحولت إلى تنظيم سياسي يسعى للحكم بكل السبل المتاحة، حتى وإن تطلب الأمر فتح قنوات اتصال مع القوى الاستعمارية وتنسيق المواقف في ما بينها.

وتكشف بعض وثائق الكتاب التي تنشر لأول مرة علاقة جماعة الإخوان المسلمين ببريطانيا وأجهزة مخابراتها خلال فترة حرب فلسطين عام 1948، بهدف المساهمة في دفع اليهود المصريين إلى الهجرة إلى إسرائيل عن طريق الهجوم على دورهم وممتلكاتهم في القاهرة.

بطولات زائفة

يشير الكتاب إلى الانتهازية التي تتمتع بها الجماعة عبر تاريخها، فهي تغازل أنظمة الحكم في العلن، في نفس الوقت الذي تسعى فيه سرا إلى إزاحة هذه الأنظمة وكل ما يقف في طريقها للوصول إلى الحكم.

بعض وثائق الكتاب التي تنشر لأول مرة تكشف علاقة جماعة الإخوان المسلمين ببريطانيا وأجهزة مخابراتها خلال فترة حرب فلسطين عام 1948

تشير الوثائق إلى المغازلة التي كانت تتم بين جماعة الإخوان المسلمين والقصر الملكي والعمل على فتح قنوات اتصال مع حاشيته المقربين عبر الرسائل والمقالات. ويلفت الكاتب إلى التشابه بين ذلك المسلك وما صرح به المرشد السابق لجماعة الإخوان محمد مهدي عاكف إلى مجلة “آخر ساعة” القاهرية في العام 2005 حيث أعلن تأييده لترشح الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك ورغبته في الجلوس معه رغم الموقف المعارض له ولسياسات حكمه من جميع القوى السياسية الأخرى في ذلك الوقت.

كما يذكر المؤلف أن علاقة الإخوان بالبوليس المصري لم تكن في مجملها تتسم بالعداء، بل كان يتخللها تعاون في بعض النقاط المشتركة، كمحاربتهم للتنظيمات الشيوعية في مصر.

فمن بين الوثائق التي وردت في هذا الكتاب التقرير السري للمفوضية الروسية بمصر، والذي يشير إلى تعاون أفراد من الجماعة مع البوليس السياسي على إمدادهم بقوائم تحوي أسماء قادة الحركة الشيوعية المصرية. ولا ينكر الإخوان مثل هذه الوقائع، فهم في الكثير من اعترافاتهم خلال المحاكمات قالوا إننا كنا نستهدف الحركة الشيوعية المصرية، وإن القضاء عليها كان يمثل إحدى أولوياتهم، باعتبارها أحد التيارات الصاعدة المناوئة لهم في تلك الفترة.

دائما ما يتحدث الإخوان عن ادعاءات جهادية وبذل للأموال في حرب فلسطين عام 1948، وفي القتال ضد الإنكليز في القناة، وهي ادعاءات تصل أحيانا إلى حد الأساطير، رغم أن كفاحهم كما يقول رفعت السعيد في حواره مع المؤلف “يستند إلى عمليات ضعيفة ومحدودة لا يمكن مقارنتها بما قدمته الحركات الوطنية وقتها بأطيافها المختلفة”.

أما ادعاؤهم بالمشاركة في القتال ضد الإنكليز في منطقة القناة عقب إلغاء المعاهدة المبرمة بين مصر وبريطانيا عام 1951، فيدحضه رأي المرشد حسن الهضيبي الذي ورد في أحد تصريحاته لمجلة الجمهور المصري بعد أيام من إلغاء المعاهدة، والذي عبر عن وجهة نظره في أعمال المقاومة واصفا إياها بأعمال العنف، وأنها ليست الوسيلة الأنسب لإخراج الإنكليز من مصر، نافيا في الوقت نفسه أي مشاركة لأعضاء الجماعة في أعمال المقاومة. ويرى رفعت السعيد في حواره مع مؤلف الكتاب أن هذا الكذب بهدف تزوير التاريخ هما من طبيعة هذه الجماعة على مر العصور، فهي تستغل ضعف الذاكرة الوطنية وعدم يقظة المؤرخين.

13