كتاب يتحدى هيمنة المفهوم الغربي للدبلوماسية

الثلاثاء 2013/12/17
يقدم بلاك العمل الدبلوماسي كمجال متميز من النظم العامة لجمع المعلومات والتفاوض

يقدم كتاب “تاريخ الديبلوماسية” لجيرمي بلاك الذي ترجمه أحمد علي سالم وصدر عن مشروع “كلمة” للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، تلخيصا موجزا لتاريخ الدبلوماسية خلال القرون الخمسة الأخيرة، لكن أهم إسهاماته هو تقديم مفهوم جديد للديبلوماسية يتحدّى المفهوم المتعارف عليه باعتباره بالغ الضيق ويركز فقط على النموذج الغربي في إقامة سفارات دائمة ومبان خاصة بها وبروز الحصانة الدبلوماسية، وهذا يبدو للكاتب مفهوما ضيقا لا يمثّل إلا موضوعا من مواضيع هذا الكتاب.

تنصبّ محتويات كتاب “تاريخ الدبلوماسية” على دراسة تطور الدبلوماسية المهنية في القرن العشرين. كما يناقش الإمبراطوريات والدبلوماسية المهيمنة، والعلاقة بين الدبلوماسية والنظم الشمولية، ودور كل من المؤسسات عابرة الحدود والمنظمات غير الحكومية.

تاريخ الدبلوماسية


يؤكد الكتاب تعقد التطورات بهدف التحذير من الاعتماد المبالغ فيه على نماذج شاملة وجامدة في التحليل، وذلك في ظل التحدّي الرهيب لكتابة تاريخ يمتد لفترة طويلة من الزمن ولمساحات شاسعة من العالم. إذ يغطي الكتاب في هذا الموضوع النصف الثاني من الألفية الأخيرة، ليس لأن الحداثة وصلت مع القرن السادس عشر، ولكن -حسب المؤلف- لأن التوسع الأوروبي أدّى إلى زيادة كبيرة في سرعة الاتصال بالمجتمعات البعيدة، مما خلق حاجة أكبر لوظائف الدبلوماسية، وهي جمع المعلومات والتمثيل والتفاوض، وكذلك درجة من التوتر بين هذه الوظائف والأهداف.

ويقدم المؤلف العمل الدبلوماسي كمجال متميز من النظم العامة لجمع المعلومات والتمثيل والتفاوض.

ومن ثم يختلف مع الرأي القائل أن الخصائص المميزة للدبلوماسية هي تنفيذ السياسة بأسلوب الإقناع الذي يمارسه الدبلوماسيون المعتمدون، لأنه لا يرى فرقا واضحا بين صنع السياسة وتنفيذها، ولا يرى الإقناع أسلوبا وحيدا في العمل الدبلوماسي، ولا يرى الدبلوماسيين المعتمدين هم وحدهم من يقوم بدور في ذلك العمل.

فالدبلوماسية جانب من جوانب جمع المعلومات، وكذلك التمثيل والتفاوض، وليست الأداة الوحيدة لتحقيق أيّ من هذه المهام. وبالفعل فإن جانبا من تاريخ الدبلوماسية هو بيان مدى إدارة هذه العمليات من خلال أجهزة الدبلوماسية الرسمية، أو من التي تكون تحت سيطرتها. وتشير الممارسة العملية إلى أن هذا المدى ظل محدودا دائما.

أطروحات جديدة


يسعى الكتاب إلى الدفاع عن أربع أطروحات تمثل كل منها تحديا للمقولات السائدة في الأدبيات الغربية عن الدبلوماسية وتاريخها. أولى هذه الأطروحات هي الحاجة لمناقشة الدبلوماسية في العالم غير الغربي، وعدم الاقتصار على دراسة عناصر الاستمرارية والانقطاع في الدبلوماسية داخل أوروبا. إذ يرى المؤلف ضرورة تغيير الطريقة التقليدية التي تناقش تاريخ الدبلوماسية بالرجوع إلى تطور الدبلوماسية في أوروبا حتى صارت تشمل العالم بأسره في القرن العشرين.

وثاني أطروحات الكتاب الرئيسية هي أن الخصائص المميزة للعمل الدبلوماسي شهدت قدرا من الاستمرارية لا يقل عن قدر التغير الذي شهدته طوال نصف الألفية الأخير. ويمكن ملاحظة مظاهر الاستمرارية جيدا حتى بعد الأحداث التي يقال عادة إنها أحدثت تحولات رئيسية، مثل الثورة الفرنسية.

فمثلا هناك ميل لرؤية العولمة والسياسة العامة والانقسام الأيديولوجي والمنظمات غير الحكومية كمظاهر للعالم الحديث، رغم أن هذه الرؤية مضللة، إذ كانت الدبلوماسية الكنسية مثلا جزءا من دبلوماسية المنظمات غير الحكومية بالتعريف الواسع في العصور الوسطى.

كما أن الدبلوماسية كانت ولا تزال تخدم المصلحة الوطنية، فهذا أمر مستمدّ من أعراف المهنة وفكرة وجود خدمة مدنية غير سياسية. وثالث الأطروحات الأساسية في الكتاب هي أن مسار التغير في الدبلوماسية لم يكن تقدميا على الدوام، بل كان يشهد تحسينات وانتكاسات. فعملية التغيير كانت دائما تتسم بالفوضى.

ولذلك قدم المؤلف الدبلوماسية وفق ترتيب زمني لكي يكون ممكنا مناقشة التغيرات وتقديم تعليقات نوعية على العمليات الدبلوماسية. كما نظر إلى التاريخ البعيد للدبلوماسية من أجل تجنب المنهج التقليدي القائم على دراسة الموضوع من منظور تقدمية التاريخ.

وقد وجد المؤلف ذلك التاريخ البعيد ذا صلة كبيرة بتحقيق ذلك الهدف. ورابع الأطروحات الرئيسية في الكتاب هي أن الحاجة إلى الدبلوماسية والدبلوماسيين حاليا تزداد ولا تقل، ذلك أن القائلين بتراجع قوة الدولة ينتقدون الوسائل التقليدية لنشاط الدولة، ومنها الدبلوماسية التي باتت تتعرض لتحدٍّ من جانب المساعدات الدولية كشكل مؤسسي لحل المشكلات والتمثيل الوطني. هذا الحديث عن الدبلوماسية التقليدية تكرر مرارا، ليس من جانب نظري فحسب، بل في ظل الضغوط التي يواجهها الدبلوماسيون ووزارات الخارجية لإجراء تخفيضات في ميزانية العمل الدبلوماسي.

14