كتاب يجمع بين كبار فلاسفة الإسلام

لم تكن للعرب معرفة بالفلسفة قبل الفتح الإسلامي للأمصار وما تبعه من ترجمات للعلوم اليونانيّة القديمة، ولذلك أصبحت الحكمة مرادفاً للفظة الفلسفة عند مفكري المسلمين في الكثير من كتاباتهم. ويُستخدم مصطلح الفلسفة الإسلامية ليعبر عن التصورات الفلسفية والأعمال الفكرية التي أُنتجت في ظل الثقافة الإسلامية.
السبت 2017/10/14
كتاب يحلل أفكار شخصيات كبيرة

القاهرة - بلغت الفلسفة الإسلامية أوجها عند الكندي الذي لُقّب بالمعلم الأول، والفارابي الذي أسّس مدرسة فكرية كاملة مستمدّة أصولها من أفكار أرسطو، وتبعهما ابن رشد الأندلسي.

ولمناقشة أفكار هؤلاء الفلاسفة وغيرهم، أصدر الباحث جمال رجب سيدبي كتابا بعنوان “في الفلسفة الإسلامية.. دراسة ونقد” في محاولة لإلقاء الضوء على بعض القضايا الكبرى التي تتصل بمجال الفلسفة الإسلامية بمعناها الشامل بقصد سبر غورها والوصول إلى كنهها، وذلك بتحليل أفكار شخصيات كبيرة مثل شخصية الملا صدرالدين الشيرازي وابن سينا وابن رشد وأبي حامد الغزالي ومسكويه وأبي البركات البغدادي، وكلها لها أثرها البالغ في محيط الفلسفة الإسلامية. وقد سعى الباحث -كما ذكر في تقديمه للكتاب- إلى التأكيد على خصوصية التصور الإسلامي وتميزه عن التصورات الأخرى، “فالفكرة في محيط حضارتها تختلف في دلالاتها عندما تنقل إلى حضارة أخرى، وهذا ما حدث مع الفلاسفة المسلمين الذين استوعبوا فلسفة الإغريق، وأضافوا إليها وأبدعوا من بنات أفكارهم”.

من الفلاسفة الذين استحضرهم الكتاب الملا صدرالدين الشيرازي، وهو من كبار فلاسفة الإسلام، أصدر 40 كتابا في الدين والفلسفة، وتميز بالحس النقدي الأصيل، وهو بحسب الفيلسوف الألماني هورتن واحد من أعظم الفلاسفة في تاريخ الفكر البشري.

وفي تناوله لفلسفة الشيرازي أشار الباحث إلى مصادر فلسفته المختلفة، وتأثره بالمشائية وخاصة المتعلقة بنظرية الوجود، وكذلك تأثره بأفلاطون والأفلاطونية المحدثة خاصة المتعلقة بالنظرة الإشراقية، وكذلك تأثره بالفارابي وابن سينا والسهروردي ومحي الدين بن عربي والنسق الشيعي في مقولات الإمام علي بن أبي طالب في نهج البلاغة، وكذلك توظيفه لآيات القرآن الكريم وأحاديث السنة. ويذهب الباحث إلى أن الشيرازي في معالجته لمشكلة النبوة كان متأثرا بالفارابي وابن سينا، ولاحظ الباحث أنه كان حريصا على التفرقة بين مقام النبوة والفيلسوف “النبوة وهبية تعتمد على اصطفاء الله واختياره لمن يراه أهلا لرسالته”. لذلك فهو يعتمد في المعرفة على الوحي وليس على العقل.

وللباحث دراسات عدة عن الغزالي، وقد أضاف إليها في هذا الكتاب دراستين جديدتين شغلتا صفحات الفصلين الثاني والثالث من الكتاب. اختص الفصل الثاني بدراسة نظرية الوسط الأخلاقي بين مسكويه والغزالي، حيث رأى سيدبي أنهما ربطا بين النظر والعمل في نسقهما الخلقي، والأخلاق في رأيهما ليست مجرد دعوة نظرية إلى اتباع السلوك الفاضل بل إنها في حقيقتهما فعل خلقي. وانتهت المقارنة بينهما إلى التأكيد على أن مسكويه لم يخرج في تحليله لفكرة الوسط الأخلاقي عما ذهب إليه أرسطو، إلا أن الغزالي وبالرغم من تأثره بالفكر اليوناني كانت مرجعيته إسلامية.

وعن موقف ابن رشد النقدي من مشكلتي العالم والعلم الإلهي عند ابن سينا والغزالي، دار الفصل الثالث منتهيًا إلى عدة نتائج منها أن البعد النقدي عند ابن رشد بعد مهم في فكره فهو يتمتع بعقلية نقدية تتسم بالقدرة على الموازنة والترجيح والتحليل. ويرى الباحث أن “ابن رشد كان أكثر أصالة من سلفه الغزالي في محاولته النقدية، لأن الغزالي ذهب إلى تكفير الفلاسفة وخاصة بصدد مشكلة قدم العالم والعلم الإلهي، وفي نفس الوقت نجد الغزالي يؤمن بالتأويل كأداة منهجية، ولو وظف الغزالي هذه الأداة في معالجته لهذه المشكلات لكان أكثر اتساقا في موقفه، ولكن يبدو أنه في بعض مؤلفاته كانت تحكمه ظروف خاصة وأيديولوجية معينة”.

وأكد جمال رجب سيدبي أن الغزالي كمتكلم أشعري انطلق من منطق كلامي في النهج والتفكير في حين أن ابن رشد كفيلسوف انطلق من منطق عقلاني في النهج والتفكير ومن ثم ترتب على ذلك اختلاف النتائج والغايات عند كل منهما. وكان ابن رشد موفقا في معالجته لمشكلة العلم الإلهي، بطريقة توفيقية تدل على أصالة ابن رشد في معالجة القضايا والمشكلات.

أبو البركات البغدادي (هبة الله بن علي بن ملكا) والمشهور بلقب أوحد الزمان واحد من أكبر فلاسفة الإسلام، سبق أن خصه سيدبي بكتاب تناول فيه الموقف النقدي للبغدادي من فلسفة ابن سينا، وقد خصه الكتاب بفصل ختامي تناول سيرة وفكر الطبيب والفيلسوف أبي البركات البغدادي مؤكدًا على أنه يمثل مدرسة قائمة بذاتها ولكنه مع ذلك تأثر بالمشائية في أشياء وعارضها في أشياء أخرى، ويذهب الباحث إلى أن ابن ملكا استطاع أن يقيم بناء فكريًا على أنقاض مشائية وأفلاطونية، إلا أنه “في نهاية المطاف نجح في أن يفرز لنا مذهبا متسقا ينم عن صاحب المعتبر، اعتبر واختير، وكان متفردا ومبدعا في آرائه وأفكاره، ولعل معالجته لإشكالية الخلق خير صدق على ما ندعي”.

17