كتاب يستبطن نفيا للوجود التاريخي للأكراد في سوريا

الاثنين 2014/06/30
محمد جمال باروت يعتمد نظرة أحادية الجانب في قراءة تاريخ سوريا

قارئ كتاب الباحث السوري محمد جمال باروت وعنوانه “التكون التاريخي الحديث للجزيرة السورية: أسئلة وإشكاليات التحول من البدونة إلى العمران الحضري”، يشعر بمتعة تجمع بين السرد التاريخي والمقاربة النقدية لسلسلة من الوقائع المؤرخة والمؤرشفة ذات الصلة بالموضوع، متعة لا تفارق طبيعة القراءة المعتمدة من لدن الباحث ومن خلال مئات المصادر التاريخية والجغرافية العربية والفرنسية والمترجمة. الكتاب من منشورات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ببيروت.

كقراءة أولى، أذكر بكتابات باروت النقدية “الشعر يكتب اسمه” منذ عدة عقود، والذي لفت الأنظار إليه، ولعله في اهتمامه بما هو تاريخي وثقافي عربي بالذات لا يفارق المستجدات في الواقع العربي، أو لأقل بصيغة أدق: في الساحة الثقافية والقومية العربية بالذات.


سوءات تاريخية


أشير إلى أن هذا الكتاب الممتع بشواهده وأدلته التاريخية التي يسعى من خلالها إلى إعلام من يعلم أن “الجزيرة السورية” هي سورية بامتياز، أي “عربية” وأن الكتاب الذي تعب فيه ليس أكثر من رد -وعلى مدى مئات الصفحات- على من حاولوا ويحاولون الإساءة إلى هذا المفهوم الجغرافي، أو المنطقة المرتبطة بسوريا منذ الأزل، أو السعي إلى اقتطاع جزء منها إلخ..

ولا يخفى على كل مهتم أن المعنيين بالرد هم “الكرد”، وبمجاراة لغته البحثية “الأكراد”، باعتبارهم دون المفهوم القومي، في نظره هو وكل من ينظر إليهم كأقلية، وبالتالي، فإن فكرة الكتاب المحورية تقوم على ما هو سجالي وتنظيري في العمق: كيفية إبراز حضـور الكرد “الأكراد” الطارئ على المنطقة.

لا يكترث باروت بكل المستجد التاريخي وكيف قيض للعرب أن يطلقوا مثلا اسم ديار ربيعة على الجزيرة السورية

إنه ليس نقاشا أو حوارا، إنما هو كتاب سجال في الصميم في النهاية! والأمر الآخر من خلال التاريخ الآخر الذي لا يريد باروت الاهتمام به هو عدم الاكتراث بكل المستجد التاريخي وكيف قيّض للعرب أن يطلقوا مثلا اسم ديار ربيعة مثلا على الجزيرة السورية وكأنها كانت بلا اسم ومن طرف واحد، وأن ديار بكر هي ديار بكر وليست بآمد، والأكراد هم مهاجرون حتى لو قيل أن العرب مهاجرون أيضا إنما من جهات أبعد، أو على الأقل للتأكيد على الملْء السكاني للجزيرة بمفهومه الواسع وليس عبر سرد تاريخي يبدأ بإعلام من لم يعلم أن من اللزوم الآن إظهار المخاطر التي تتهدد الجزيرة السورية، وهي كردية الطابع، وأن الحصيلة هي كيفية تطويرها أو تنميتها وتطويق “الخطر” الكردي قبل أي شيء آخر، لتنقلب المتعة إلى عملية صدام مع الآخر: الكردي، واستنفار القوة لتدارك الخطر.

في ثنايا الكتاب برز السعي إلى اعتبار سوريا الراهنة وحدة جغرافية، وأن الأكراد بوصفهم ومن خلال مشاريع قائمة لديهم “مشروع كردستان” لم يتوقفوا عن الهجرة إليها، كما لو أن سوريا بمفهومها الجغرافي الحدودي معروفة منذ الأزل، حيث لا إشارة إلى “مؤامرة سايكس بيكو” لأن ذلك يعني لزوم الإشارة إلى تقسيم كردستان بالذات، رغم اعتبار “الوطن العربي” مجزأ باسمها حديثا.

إلى جانب ذلك، لو أننا طبقنا طريقته في التعامل مع التاريخ لتساءلنا عن كيفية ضخ جهات خارج شبه الجزيرة العربية بأمواج من الهجرة من العشائر العربية منذ بدء المعتبر “الفتح العربي الإسلامي”، وإلى جهات بعيدة، وأن تركيا الآن ما كان لها من اسم حينذاك لا جغرافيا ولا ديموغرافيا، إنما كانت هناك أراض شاسعة وبشر فيها وأقوام مقيمة.


التفاف على الحقيقة

كتاب يجمع بين السرد التاريخي والمقاربة النقدية


لا توجد إشارة البتة إلى خلفية “التعامل” الحدودية بين تركيا وفرنسا، بريطانيا والعراق وتركيا وغيرها، وموقع الكرد السياسي في اللعبة، حيث الحدود المرسومة شديدة العلاقة بهم بصفتهم الإثنية الأكثر عددا وعلى اعتبار أنّهم حُرموا من دولة أو جغرافيا خاصة بهم، ليكونوا أقليات في بلادهم الممزقة.

وما يثير الاستغراب التذكير بأن الكثير من الكرد اعتبروا أنفسهم عربا “الأيوبيون وغيرهم”، دون أي تفسير لهذا المذهب والذي يرتبط بعامل القوة ولعبة السلطة في هذا التوجه بالذات، أو بظروف تاريخية واجتماعية وسواها.

عدا ذلك هو اعتماد نظرة أحادية الجانب في تحريك الأحداث، وفي الواجهة اعتبار الكرد ألعوبة الآخرين “مع إبراهيم باشا الملي وحاجو آغا”، وهو نفسه يذكر كيف أن العثمانيين استخدموا “عشيرة شمر ضد عشائر العبيد عام 1805”، وتأليب الملي ضد “شمر”، وأكثر من ذلك كيف تم اتفاق عشائر عنزة- الرولة.. مع الفرنسيين ضد الحكومة العربية بقيادة فيصل لقاء المال لا بل حين مرافقة كوكبة من فرسان الأمير نوري الشعلان للجنرال “غورو” وهو يدخل دمشق في 7 أغسطس 1920.

ليس في كتاب باروت ما يفصح عن أي حضور كردي لا في الجزيرة السورية ولا في سواها بالمعنى الجغرافي والتاريخي وفي “الجزيرة المسماة هذه”، ولا حتى إلى العنف الذي تعرضوا إليه على أيدي الحكومات المتعاقبة “حكم البعث خصوصا”، أو عند حديثه عن “الحزام العربي”، والتقليل من آثاره “السلبية، وسياسة التعريب..”.

وتجاهل الضغط الكردي في الشارع، “مثلا لم يعترف حافظ الأسد بنيروز الكردي، إلا بعد وقوع مجابهات في دمشق بين الكرد المتظاهرين والمعنيين بحفظ النظام سنة 1986”.

ولا شيء مما جرى ويجري من مجابهات واعتقالات وما هو قائم الآن، حيث الالتفاف على التاريخ الفعلي ملحوظ. ولتكون النتيجة هي إمكان تطوير الجزيرة وتنميتها وهي الحل السحري لتجاوز كل العقبات، ولعلها في الواقع تحديث بعثي في المجمل.

كنت أتمنى على الأقل أن يأتي الكتاب ولو في إطار العيش المشترك، حيث لا يكون الكرد وليس الأكراد مجرد أقلية، ومنظورا إليهم باعتبارهم ألعوبة لدى الآخرين، وأن التاريخ يسير إلى الأمام وليس إلى الوراء، وأن الذي اعتبر مستحيلا سياسيا لم يعد قائما.

15