كتاب يستعيد شاعرة جاهلية

الاثنين 2014/01/20
الكتاب يعيد السجال حول مسألة النحل الشعريّ في ديوان الشعر العربي

تقتفي الكاتبة العراقيّة نصرة الزبيدي أثر الشاعرة الجاهليّة جنوب الهذلية في بطون كتب التراث، تجدّ الزبيديّ في البحث والتنقيب عن أي أثر أو ذكرٍ للشاعرة جنوب الهذليّة في المَظانّ كلّها، تنبش عن قصائدها المتفرّقة المنثورة في المراجع وأمّهاتِ الكتب التراثيّة، وتخرج بافتراضاتها التي تقدّمها بين دفتي كتابها «ما وصلنا من شعر جَنُوب الهذليّة».

تقدمّ الباحثة نصرة الزبيدي افتراضاتها كنتائج شبه قطعيّة، مثبّتة المراجع التي لملمت منها القصائد الثلاثة التي تقول إنّها للشاعرة جَنُوب، وذلك بالرغم ممّا تثيره من تساؤلات وافتراضات تمكن إثارتها من باب التساؤل والتدقيق، أو التشكيك، لأنّ قضيّة حتميّة النسب الشعريّ تظلّ قيد الدراسة والبحث، ولا يمكن الجزم بها، لطالما هناك اختلاف بيّن ما يزال فعّالاً ومستمرّاً بين الباحثين حول نسب القصائد، وربّما تعيد بهذا الجهد الحديثَ القديم المتجدّد، حول مسألة النحل في الشعر العربيّ، والنسب الشعريّ، بحيث أنّ القصيدة الواحدة قد تنسب إلى شاعرين، أو أكثر، ثمّ تكون القصيدة مثار خلاف، من حيث عدد الأبيات، والزمان والمكان، فضلاً عن اسم الشاعرة/ الشاعر الذي تنسَبُ إليه.


هوية ملتبسة


تذكر الزبيديّ نسب جَنُوب الهذلية بأنّها «جنوب بنت العجلان بن عامر بن برد بن منبه، من بني كاهل بن لحيان بن هذيل»، وتذكر أنّها شاعرة جاهليّة ارتبط اسمها برثاء أخيها في حادثة مشهورة، وهي حادثة مقتله في ظروف اختلف الرواة في ذكرها. بعضهم ذكر أنّه قتل على يد أحدهم، وآخرون ذكروا أنّه هوجم من قبل نمرين انقضّا عليه ونهشاه.

وتؤكّد الباحثة الاختلاف الموجود بين الرواة حول نسب القصائد، فنجد أنّ البغداديّ ينقل الاختلاف الحاصل في اسمها ونسب بعض الأبيات إليها، ويبيّن اللبس الحاصل بينها وبين غيرها، سواء من جهة أختها المفترضة، أو شاعرات أخريات نسبت إليهن أبيات قيل إنّها لجَنُوب. ثمّ التناقض الذي يقع فيه الرواة ويوقعون فيه القرّاء، فيقول البغداديّ نفسه إنّ جَنُوب هي نفسها عمرة، ولهما أخت هي ريطة، وهي شاعرة أيضاً. وتذكر الكاتبة بعض الاختلاف الوارد حولها في كتب السابقين، من الحصريّ في زهر الآداب، إلى البصريّ في حماسته، إلى المظفّر العلويّ في «نضرة الإغريض في إنصاف القريض».

وقد ارتبط اسم جَنُوب الهذليّة برثاء أخيها، وتنقل الزبيديّ أنّ شعر الرثاء كان السبب المباشر لشهرتها، وتضيف إنّها تتمتّع بمقدرة شعريّة فذّة وتصرّفٍ بارع في الألفاظ والمعاني ونصوص على درجة عالية من الجودة والمتانة تعكس موهبة فذّة ومع ذلك لم يصل إلينا من أشعارها سوى ثلاثة نصوص، تثبتها الزبيديّ في الديوان الذي يجمع ستّة وأربعين بيتاً منسوباً إليها، تشرحها الزبيديّ وتذكر سلسلة النسب التي اعتمدتها في استخراجها القصائد، متفرّقة، أو مجتمعة من كنوز التراث. ولا تخفي الكاتبة تشكيكها في أسباب سكوت المصادر عن رواية شعرها الذي ضاع منه الكثير، وهي التي توضع بين شاعرات عربيّات رائدات، وتصنّف في مكانة رفيعة معهنّ، إذ يُنقَل مثل مشهور يضرب للدلالة على الشاعريّة الفذّة وينقله السيوطيّ (ت. 911هـ) بقول ينقله في إحدى الجواري: «هذه والله أشعر من كبشة أخت غيلان ذي الرمّة والخنساء أخت صخر ومن جَنُوب الهذليّة وليلى الأخيليّة». وهو ما أثبته الثعالبيّ في «لطائف الظرفاء من طبقات الفضلاء»، وابن سعيد الأندلسيّ في «نشوة الطرب في تاريخ جاهليّة العرب».


النحل الشعري


يشتمل الكتاب على ثلاث قصائد، القصيدة الأولى بائية من البحر البسيط، مؤلّفة من خمسة عشر بيتاً، تستهلّها بالحكمة والنصح والموعظة، القصيدة الثانية لاميّة من البحر المتقارب، مؤلّفة من ستّة وعشرين بيتاً، تستهلّها بالسؤال الاستنكاريّ عن أخيها الغائب، تصف نكبتها بسماع النبأ الفظيع المريع، في حين أنّ القصيدة الثالثة، هائية من البحر البسيط، وهي عبارة عن خمسة أبيات فقط. القصائد الثلاث المقدّمة، تضمّ أبياتاً مميّزة، علاوة على البراعة الشعريّة، كما قد يقع القارئ على نوع من التأثير والتأثّر في بعض الأبيات، كالبيت الثالث من بائيّتها: «وكلّ حيٍّ وإن طالت سلامتهم/ يوماً طريقهم في الشرّ دُعبوب»، ويروَى البيت نفسه بطريقة أخرى: «وكلّ حيّ وإن عزوا وإن سلموا/ يوماً طريقهم في السوء دعبوب»، حيث يذكّر في الشطر الأوّل منه بالبيت الوارد في قصيدة كعب بن زهير الشهيرة «البردة»: «كلّ ابن أنثى وإن طالت سلامته/ يوماً على آلة حدباء محمول».. كما تتعدّد المصادر والتخريجات والمقاربات، بحيث يجد القارئ نفسه أمام سيل من التخمينات والافتراضات التي توجب نوعاً من التشكيك في الإحالات، وفي «ما وصلنا من شعر جَنُوب الهذليّة».

يلاحظ القارئ تعدّد مصادر القصيد الواحد، حتّى أنّها تبدو مجموعة بشكل متفرّق، ومجموعة، وموضوعة بترتيب معيّن مختار، ومن ثمّ تخريج الأبيات، وتجتهد فيها الزبيديّ لتقريب القصائد ومعانيها للقارئ، بعد شرح المفردات الغريبة.

ربّما يعيد الكتاب السجال حول مسألة النحل الشعريّ في ديوان الشعر العربيّ، ولربّما يخلق حِراكاً يسلّط ضوءاً على الشعر العربيّ الجاهليّ الذي يمتاز بفرادته ويشكّل خزّاناً تراثيّاً، وديواناً يظلّ الشعراء ينهلون من ينبوعه المتجدّد.

14