كتاب يستقرئ المضحك بين المتون الأدبية والوسائط الجماهيرية

الجمعة 2014/06/20
الكتاب تناول تجربة المخرج السينمائي المغربي سعيد الناصري

الرباط - ضمن “منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية- جامعة ابن زهر”، بأكادير، ودار “أبي رقراق للطباعة والنشر” بالرباط، صدر كتاب بعنوان “أبحاث في الفكاهة والسخرية- الورشة الخامسة 2014”. وهو ثمرة لندوة علمية احتضنتها سابقا رحاب كلية الآداب ذاتها، يومي 29 و30 يونيو 2012، ونسق أعمالها أحمد شايب بصفته رئيسا لفريق البحث في “الفكاهة والسخرية في الأدب والثقافة” التابع للكلية نفسها، ثم نظمها بمعيته أعضاء الفريق تحت عنوان “المضحك بين المتون الأدبية والوسائط الجماهيرية“.

تُطلعنا محتويات كتاب “أبحاث في الفكاهة والسخرية”، على قائمة ضمّت أسماء الباحثين المساهمين في تدبيج مضمونه بأفكارهم ورؤاهم وتصوراتهم العاكسة لمواقفهم الخاصة، وقد اختزلتها في عناوين مواد كل منهم على حدة، وهم على التوالي: بديعة الطاهري وفاطمة إيدير وعبد الغني الخيرات ورشدي المنيرة وعادل آيت أزكاغ وعبدالوهاب صديقي ورابعة سوساني ووئام المددي وعبدالرحيم حيمد وعثمان بيصاني ومحمد شقير ومحمد بوستة وخديجة بلحياح وأحمد شايب ومحمد مفضل وعمر بنعمي وعلي البوجديدي وعزالعرب قرشي.

كل هؤلاء، قدموا مداخلاتهم في أعمال هذه الورشة، التي تنوعت أثناء فعالياتها النصوص المدروسة في لغتها بين العامية والعربية والفرنسية والأنكليزية والعِبْرية، ودارت فيها البحوث المقدمة حول ما يستقرئه الموضوع من أفكار مخفية في أعماق متون أدبية وشعرية وبلاغية، وفي فنون الرسم والصورة والتواصل بألوانها وأشكالها المتعددة.


ميسم إنساني


إذا كان الضحك إجمالا، يشتغل في العادة، باعتباره مَيْسَمًا إنسانيا كليا، وأمميا مشتركا عرفته كل الثقافات والجماعات والألسن، فإنه يستعمل كأسلوب لنشر البهجة في النفوس، ولبعث المتعة والتسلية وتوليد الفكاهة البريئة، وانتزاع الابتسامة من الوجوه العابسة والمتعبة، وإظهارها في افترار حسَنٍ يُرمق في لباقة الضحك وطرافة المُضحك ولطفه، في البيت والمدرسة والشارع وفي جميع الفضاءات المحتضنة للإنسان أينما كان، وفي صفوف الجمهور المنخرط في عمليتي الفرجة والتفاعل الجماعيين، مباشرين كانا أم عكس ذلك، في السينما والمسرح وفي مختلف الوسائط الجماهيرية، الافتراضية والمقروءة والمرئية، أو من خلال بسطها بين الأفراد والأصدقاء والمعارف في الاجتماعات البشرية المقامة هنا وهناك على نحو شفوي، ويسعى الإنسان إلى إقامتها في أفراحه المتجدّدة، بمثل ما تم إحياؤها في احتفالاته ومواسمه القديمة في تاريخ اجتماعه عبر مرّ الأزمنة والعصور.

أبحاث طرحت قضايا تتعلق بانتهاك السخرية للخطوط الحمراء وتحديها للسلطة والإكراهات السياسية والدينية

والضحك أصبح يمارس طورا آخر، كما كان ديدنه دائما، لكن بقوة في هذه المرة، والآن؛ في ظل الثورة الرقمية والتطور العلمي والتقدم الصناعي والتقني والتكنولوجي الذي يعرفه واقعنا المعاصر بشكل مهول وعلى منوال متسارع يشهد سطوة للصورة واكتساحا للآلية التي أضحت تزاحم الإنسان في حياته وطبيعته ونمط عيشه، أصبح يمارس، وظيفته الخطابية كآلية نقدية وإستراتيجية حجاجية وطريقة للبوح، ويحضن رسائل تنبئ بمعانٍ يصبو الضحك إلى إيصالها، وتحرض جوهر خطابه على التوسع والانفتاح لإسباغ دلالات على كنه مقاصده العميقة، التي تجعل الأبواب مشرعة لبروز تعليقات وقراءات وتفسيرات ممكنة، بل وتأويلات أخرى محتملة تمس شتى جوانبه وزواياه وآفاقه المنتظرة في الأدب والعلم والفن والحياة.


خفة الإشارة


بعض من هذه التأويلات المحتملة، وجزء من تلك الرسائل والمعاني المحلقة في أجواء الفكاهة والسخرية، هي ما حاولت جميع أقلام كاتبات وكتاب هذه الأبحاث رصدها ومقاربة موضوعاتها، بحثا عن الضّحك والمُضْحك والساخر بأصنافه وأبعاده وتجلياته، من زوايا مختلفة من خلال ربطه بالخطابات المتنوعة في الآداب والعلوم الإنسانية، وفي الخطابات السياسية التي كانت في تماس مباشر بالترافق مع التحولات السريعة التي عرفها الشارع العربي إبان انتفاضات العرب واحتجاجاتهم الشعبية في ربيع الثورات، ثم في وَصْل خطاب الفكاهة والسخرية، فضلا عن جماليته في الفن الأدبي وبيانه، ببلاغة لغة الخطاب الثقافي وشِعرية الحركة وبلاغة الإيحاء وخفة الإشارة وجمالية اللقطة واللمحة الذكية، في فنون الصورة وأساليب الأداء وتقنيات الاتصال والتواصل الجماهيرية الوسائطية المتعددة، في المسرح والسينما والكوميديا والبيداغوجيا والتربية والصحافة والكاريكاتير واليوتيوب والفيسبوك والزجل والأدب الشعبي.. وغيرها.

البحث عن الضّحك والمُضْحك والساخر بأصنافه وأبعاده وتجلياته

ونلمس من بين ما يطمح أن يلامسه الكتاب ويقدمه من تجديد وإضافات في هذا المجال، من خلال قراءتنا لبعض ما جاء في الكلمة التقديمية لأبحاثه، كالآتي: “وكما سعت بعض الأبحاث إلى تسليط الضوء على صلة السخرية بالهجاء والحجاج والبلاغة والغرابة والتصوير الكاريكاتوري والإشارة والإيماء. فإن أبحاثا أخرى حاولت ارتياد بقاع جديدة في عالم المضحك، وسعت إلى مقاربته في سياقات ومواقف جديدة: في الصحافة والسينما والشبكة العنكبوتية. وطرحت قضايا تتعلق بانتهاك السخرية للخطوط الحمراء وزحزحتها واختراقها للحدود المحمية، وتحدّيها للسلطة والإكراهات السياسية والدينية والقانونية، وعلاقة المضحك بالآخر القريب والبعيد، وكيف يصبح الاختلاف حافزا على الضحك: “ضحك الاستقبال” أحيانا، و”ضحك الإقصاء” في أحايين أخرى.


الفكاهة والسخرية


وتعتبر الكوميديا نوعا سينمائيا بامتياز، فالأفلام الأولى بالأبيض والأسود تشهد على هذه الصلة القديمة والمتجددة، وسيرا في هذا الاتجاه حظيت بعض الأفلام المغربية باهتمام بعض الباحثين (نماذج لسعيد الناصري، وداود أولاد السيد)، وتم تناول المضحك فيها من خلال الحوار والمواقف ووصف الشخصيات.

وكما احتفت هذه الورشة والتي سبقتها بالمضحك الشفوي وبالمضحك في المكتوب والمطبوع والمتون المدونة، فإنها دشنت آفاقا جديدة للبحث في المضحك الرقمي والافتراضي والسخرية المابين-وسائطية حيث تغدو السخرية في الفيسبوك أداة للنقد والفضح والتحريض والإقناع والاستفزاز وإعادة الاكتشاف متوسلة ببلاغة وسائطية جديدة تتميز بالحوارية والتشاركية والتفاعل، وتشكل سلطة مضادة للسلطة المهيمنة.

وعلى سبيل الختم، يجدر بالذكر كما هو معلوم، أن هذا الفريق قد انكب منذ فترة على الإعداد لأشغال ورشته السادسة التي ستجري إقامتها اليوم 20 وغدا 21 يونيو، وقد نشر بانتظام خمسة منها، راميا في عموم ورشاته إلى تعميق مظاهر المضحك والساخر في الأدب والثقافة، وذلك من خلال أيام دراسية وتدريبات تهدف إلى إشراك عموم الطلبة في هذا الموضوع، وتختص كل ورشة بجانب من جوانب البحث في الفكاهة والسخرية في الثقافة والأدب كالفكاهة والسخرية في الأنماط الحكائية والكوميديا والنكتة والكاريكاتير والفكاهة والبيداغوجيا والفكاهة والإشهار والفكاهة والفولكلور والفكاهة والثقافة الشعبية والفكاهة والسينما والفكاهة والأنترنت.

14