كتاب يسخر من كيفية تعامل الفرنسيين مع حادثة شارلي إيبدو

بعد مرور أربعة أشهر على حادثة “شارلي إيبدو” في الحادي عشر من شهر يناير 2015، أصدر المفكر الفرنسي إيمانويل تود، عن دار “السوي” كتابا جديدا حمل عنوان “من هو شارلي؟” وفيه ينتقد بحدة تعامل الدولة الفرنسية في ظلّ حكم الاشتراكيين مع ظاهرة الإرهاب، ومع الفرق الجهادية.
الأربعاء 2015/06/03
إذا واصلت فرنسا السير في هذا الطريق فإني أخير ألا أكون فرنسيا

يشير إيمانويل تود، في كتابه “من هو شارلي؟” إلى أنه اختار الصمت وعدم التعليق على الحادثة المذكورة، والمشاركة في التظاهرات التي انتظمت للتنديد بها. ثم لم يلبث أن شرع في تأليف كتاب يتضمن مواقفه وأفكاره بشأنها.

ومعلقا على التظاهرة الضخمة التي انتظمت في باريس، والتي شاركت فيها شخصيات بارزة من جميع أنحاء العالم، يقول إيمانويل تود “لقد رغب الاشتراكيون أن تكون تلك التظاهرة انتفاضة من أجل يقظة شاملة، أما أنا فقد اعتبرتها دليلا على فقدان التوازن لدى الطبقة الحاكمة، ولأول مرة شعرت بأنني لست فخورا بأن أكون فرنسيّا”.

لست فرنسيا

يضيف إيمانويل تود قوله “في جميع الكتب التي أصدرتها قبل ذلك، كان هناك دائما بعد وطني، وهذا ما فعلته في كتابي “مصير المهاجرين” الذي أصدرته عام 1994 ردّا على الأنجلوسكسونيين الذين يحملوننا مسؤولية ظهور الجبهة الوطنية بزعامة لوبان، وكنت أرغب في أن أقول لهم: تأملوا جيدا في نسبة الزواج المختلط عندنا! لقد دافعت دائما عن فرنسا.

ولكن بعد حادثة الحادي عشر من يناير قلت في نفسي: إذا ما واصلت فرنسا السير في هذا الطريق لتصبح على هذه الصورة فإني أخيّر أن لا أكون فرنسيا!

وثمة من يعتقد أن تجمّع أربعة ملايين لكي يعلنوا أن السخرية من دين آخر عبر الرسوم الكاريكاتورية خصوصا عندما يكون أنصار هذا الدين الطبقة ألأضعف في المجتمع، أمر مشروع بصفة مطلقة، بل هو واجب، وبالتالي فإن فرنسا بلد كبير ورائع، فإنني أرى عكس ما يعتقدون”.
حادثة 11 يناير كشفت عن وجود انقسام داخل فرنسا، فهناك فرنسا الثورية المدافعة عن المبادئ الجمهورية وهناك الرجعية الكاثوليكية

ويواصل “أنا أرى أنه من الضروري أن نذهب إلى ما وراء الكذب، وإلى ما وراء العواطف النبيلة والقصص الرائعة التي يرويها الناس عن أنفسهم. تكفي نظرة واحدة للتظاهرة الضخمة التي شارك فيها أربعة ملايين لكي نعاين أنها مجرد دجل وتضليل. وأنا على يقين أنه كان هناك عدد كبير من الذين شاركوا في تلك التظاهرة لم يكونوا يعرفون أسباب حادثة شارلي هيبدو. والحقيقة أنه كان من المفروض عليهم أن يعرفوا تلك الأسباب لكي تكون مشاركتهم فيها مشروعة ومجدية”.

يواصل إيمانويل تود حديثه قائلا: بعد الدراسات التي أعدها دوركهايم أو ماكس فيبر عن ظاهرة الانتحار، كنت أريد من خلال كتابي أن أوضح للناس الأسباب العميقة التي تدفعهم للتحرك، أو للقيام بهذا الفعل أو ذاك، والتي يمكن أن تكون مختلفة عن تلك التي يتصورونها (…) وما لاحظته هو أن حادثة الحادي عشر من شهر يناير كشفت عن وجود انقسام داخل فرنسا؛ فهناك فرنسا الثورية المدافعة عن المبادئ الجمهورية، وهناك فرنسا الرجعية المعادية لذلك. والمناطق الأقل تعلقا بالمبادئ الجمهورية في الماضي هي التي تظاهرت أكثر من غيرها انتصارا للائكية، وهذا أمر غريب.

الكتاب عبارة عن مجموعة أفكار تنفي خطورة الإسلام على اليهود

وإجمالا يمكن القول إن المناطق التي كانت معروفة بتشددها الكاثوليكي هي التي تظاهرت أكثر من غيرها من أجل الحق في التجديف.

ويعني هذا أن هناك تحولات اجتماعية كبيرة حدثت ولا بدّ من أخذها بعين الاعتبار لكي نفهم “الجمهورية الجديدة” التي برزت للوجود لمواصلة التلويح بشعارات الثورة المتمثلة في المساواة والحرية والأخوة، والتي اشتهرت بها فرنسا في العالم بأسره، في حين أن مواطنيها لم يعودوا متساوين في الحقوق، لتصبح بلدا متحجرا ورجعيا ومنغلقا على نفسه.
وإجمالا يمكن القول إن فرنسا التي تتحكم راهنا في مصير مواطنيها هي فرنسا الكاثوليكية والرجعية. وبطبيعة الحال عندما أقول هذا الكلام يبدي الناس استغرابهم.

مهاجمة هولاند

هاجم إيمانويل تود الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند معتبرا أنه ليس اشتراكيا كما هو يدعي، بل هو كاثوليكي ووالده كاثوليكي ووالدته كاثوليكية. وهو عاجز على اتخاذ أي قرار يمكن أن يدل على أنه ملمّ بواقع فرنسا راهنا. لذلك هو دائما متردد وحائر أمام كل القضايا التي تشغل فرنسا والفرنسيين.

وبشأن الإسلام في فرنسا، يقول إيمانويل تود إن الفكرة التي لا يمكن أن يتقبلها بأي حال من الأحوال هي تلك التي تقول إن الاسلام يشكل خطرا على اليهود. وهو يقول إن القارة الوحيدة التي تمّ فيها ارتكاب مجازر ضد اليهود هي أوروبا (…) لذا هو يطالب بأن يترك المسلمون في فرنسا يعيشون حياتهم بعيدا عن هذه الهستيريا، وأن لا يتم التعامل معهم بتقسيمهم إلى طيبين وأشرار، وأن تكف وسائل الإعلام على إجبارهم على التفكير في أنهم مسلمون فقط.

14