كتاب يسرد رحلات روحية لكاتبة مغربية

في سياق دولي يسوده الانقسام والتفرقة حول الديانة الإسلامية التي يُفترض أنها أُنزلت لتكون عقيدة سلام وتسامح شأنها شأن الديانات الأخرى، لاحظ المتتبعون للشأن الأدبي، السياسي والروحاني أن التوقيت الذي اختارته المهندسة والكاتبة المغربية ياسمينة الصبيحي كان مناسبا لإصدار كتابها الجديد الذي يمزج بين أدب الرحلة والصوفية بعنوان “على خطى سيدي أحمد التيجاني”.
السبت 2017/03/11
إضاءات جديدة

الدار البيضاء (المغرب) - في كتابها الأخير “على خطى سيدي أحمد التيجاني”، تقدم الكاتبة المغربية ياسمينة الصبيحي إضاءات جديدة للقراء حول الطريقة الصوفية التي أسس لها سيدي أحمد التيجاني، وتؤكد الصبيحي أن كتابها هذا هو ثمرة مسار انطلق منذ 15 سنة من انضمامها إلى الطريقة التيجانية، وفيه تحاول استرجاع معالم من رحلة الزاوية التيجانية في ربوع العالم، وتقاسم القراء محطات مشرقة من تاريخ هذه الرحلة، في سياق زمني يمكن أن نسميه عصر الأنوار الإسلامي.

يبرز الكتاب ما تزخر به الصوفية كطريقة إسلامية لبلوغ الحقائق التي تشجب العنف بكل أشكاله، مذكرا بمفاهيم الإسلام السمحة ومكارم الأخلاق التي يدعو إليها خاتم الرسل والأنبياء.

كما يوحي عنوانه بتتبع الكتاب رحلة الصبيحي العجيبة عبر مختلف عواصم العالم، والتي قامت من خلالها بتثبيت مختلف مآثر العمارة الإسلامية، حيث تمتزج في متن مؤلفها الصور والنصوص في تناغم يحمل صبغة أدب الرحلة، رحلة تبدأ من المعمار والأمكنة إلى الأزمنة وأعماق الصوفية التي تشكل الخيط الرابط في الكتاب.

هذا المؤلف كما تقول الصبيحي “سرد لرحلة، بمعنى السعي والتجوال دون أي مطمح أدبي أو علمي، فهو تعبير عن تقاسم من القلب إلى القلب. إنه من منظوري، ليس كتاب هندسة معمارية، بالمعنى الدقيق للكلمة، وليس كتاب تاريخ الزاوية التيجانية ولا كتاب مذاهب روحية».

والتيجاني شيخ عُرف بتصوفه وطريقته التي بقيت أثرا خالدا على مر العصور، كجزء لا يتجزأ من العقيدة الإسلامية، وذلك لدعوتها إلى السعي وإلى الحكمة والتسامح. وهي مبادئ سامية ترى المؤلفة أنها لو كانت متبعة في يومنا هذا ما كان ليُنظر إلى الإسلام كعقيدة أصولية أو إرهابية.

تقول الصبيحي «الصوفية التي تعد من بين أتباعها ما بين 300 و400 مليون شخص متفرقون عبر أنحاء العالم، ليست فقط فقها أو عقيدة مذهبية، وليست مجرد براعة فكرية أو مجرد طقوس مزاجية أو سياحة بيئية».

ومن جهتها، ترى الشاعرة، المترجمة والمتخصصة في التصوف المغربي السيدة ثريا إقبال أن هذا المؤلف هو سرد رحلة بالصور بمنظور مهندس معماري، وهو موجه للجميع، سواء كانوا متصوفين أم لا، ليقول للعالم إن الإسلام محبة، وإن قلب الإسلام كأي ديانة هو بعده الروحي.

وقد ورد في مذكرة تقديم الكتاب حديث عن تنامي الحركات المتطرفة وتحطيم تراث برمته كان شاهدا على حضارتنا من جهة، والتعبير عن ورع روحي والتزام أخلاقي مجتمعي من جهة أخرى.

وهذا ما يؤكده الناشر أليون غاي الذي يشير إلى أن الصبيحي بإصدارها لهذا الكتاب تنتج عملا مفيدا في أوقات جد مضطربة حيث التطرف بكل أنواعه يهدد توازن مجتمعاتنا بالطائفية والتعصب، الإتيان من زمن غابر اعتقدنا أنه ولى وانقضى.

وورد الكتاب في طبعة أنيقة من 450 صفحة، يضم في مجمله حوالي خمسين صفحة باللغة العربية وما يعادلها باللغة الفرنسية لتفسير السلوك والمسلك اللذين أفضيا إلى تلك الرحلة و350 صفحة من الصور بالألوان عالية الدقة تصاحبها تعليقات باللغتين.

وعلاوة على الغاية الأدبية أو العلمية للكتاب، فقد تم إنجازه ليكون تحفيزيا ولافتا إلى أهمية واستعجالية المحافظة على تراث مهدد، حيث يتوجه إلى شريحة كبيرة من القراء، من الباحثين عن أدبية الرحلة أو جمالية الصور، وكذلك هو موجه إلى المهتمين بالهندسة المعمارية وحتى إلى صانعي التحف الفنية. بهذا تدشن ياسمينة الصبيحي، كما يقول الناشر، جنسا أدبيا يمزج في نفس الوقت بين السرد والصورة والأحاسيس.

في هذا المؤلف تبدو جلية للقارئ التجربة الروحية للمؤلفة، وهي تجربة وضعتها في طريق الحكمة، كما تقول، وجعلتها تميل أكثر إلى عشق الجمال والتناغم، في أبعادهما الكلية.

تقول ثريا إقبال محررة توطئة الكتاب «لسنوات طوال وياسمينة على طريق الصوفية. لذا فمؤلفها هذا هو أكثر من كتاب للهندسة المعمارية والصور، فأنشودتها تجربة معاشة. جزء من تجربتها مروي في الكتاب ببضع كلمات والعديد من الصور».

17