كتاب يصدم التجاهل الغربي للحكمة العربية

الأربعاء 2016/09/21
الكتاب يعيد الاعتبار إلى الكتب القديمة المهمشة

بيروت- في كتاب “الحكمة العربية: دليل التراث العربي إلى العالمية”، يحاول المؤلف محمد الشيخ إلقاء الضوء على البعض من الجوانب التي أفاد منها الغرب من التراث العربي بشكل لافت، رغم التجاهل الذي يبديه البعض من مفكريه في هذا الصدد.

ينصبّ جهد المؤلف في هذا الكتاب، الصادر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، على إبراز ما يتضمنه التراث العربي من كتابات ورسائل وأقوال في الحكمة وأبوابها، موجهاً اهتمامه ليس إلى الجوانب التي استُهلكت بحثاً وتأويلاً، بل إلى تلك الجوانب والفصول المنسية والمهمشة في هذا التراث، ومحاولة انتقاء ما يمكن أن يجعل منه تراثا عالميا، وما يحفظ مكانته المتميزة، وما يُمكّن الإنسان العربي من مواجهة موجات العولمة الثقافية العاتية، وإعادة الاعتبار إلى تلك الكتب القديمة التي تكاد تصبح مهجورة أو في طي النسيان.

يؤكد محمد الشيخ أن اختياره لهذا الموضوع يعود إلى التجاهل المتعمَّد في ذكر المفكرين والفلاسفة العرب من قبل مفكرين غربيين، وحتى من البعض من الكتّاب العرب، وقد شمل هذا التجاهل مفاهيم فكرية عديدة كـ: الإنسان والموت والغير والغربة والوحدة والعنف والتسامح والحيرة وغيرها من مواضيع اشتغل عليها الفكر العالمي المعاصر، لكن يأتي ذكر أسماء أفلاطون وأرسطو وشيشرون وأوغسطين ومونتيني وباسكال ونيتشه وغيرهم، ولا تجد ذكراً لاسم أبي حيان التوحيدي ومسكويه والراغب الأصفهاني والجنيد والنفري وسواهم.

ويضيف الباحث أن مفكري الغرب عند حديثهم عن “المالنخوليا” (السويداء)، تراهم لا يذكرون رسالة الكندي في دفع الأحزان، ولا رسالة ابن سينا في الحزن، وعند ذكر الصداقة لا يذكرون رسالة التوحيدي في الصداقة والصديق، ولا رسالة الغزي في آداب العشرة وذكر الصحبة والأخوة، ولا رسالة ابن عرضون في آداب الصحبة، وعند ذكر “الموت” لا يذكرون رسالة ابن مسكويه في علاج الخوف من الموت، ولا كتاب الموت لابن أبي الدنيا، وعند ذكر الغربة لا يذكرون “أدب الغرباء” للأصفهاني، ولا رسالة الغربة الغريبة للسهروردي، ولا حتى غيرها من النتف والمتفرقات.

ويعتقد أن ما حدث للغرب حين أهمل الفيثاغوريات والأفلاطونيات، حدث كذلك للحكيمات العربيات، من إهمال لكتابة سيرهن وتدوينها، وعدم وإخراجها للناس. ويؤكد أنه مثلما علّمت ديوتما الحكيمَ أفلاطون معنى “الحب الدنيوي” في محاورة “المأدبة” فنُسبت النظرية إليه ونُسيت المعلمة، كذلك علّمت رابعة العدوية الجنيدَ معنى “الحب الإلهي” فكان ما كان، أما فاطمة بنت أحمد بن يحيى فكانت تستنبط الأحكام الشرعية، فيما كانت فاطمة النيسابورية تتكلم وتعظ في معاني القرآن، وما أكثر الجواري اللواتي أبدعن في الثقافة العربية الكثير، وتفننن في الشعر والغناء لكن وقع تجاهل أغلبهن.

ويوضح محمد الشيخ أن إبراز الإسهام العربي في مجال الحكمة لا يعني الانكفاء على التراث وجعل العرب أمة تراثية بلا مدافعة وأن يصير أفرادها كائنات تراثية بلا منازعة، بل يعني تثمير الجانب الحي من هذا التراث، إذ يتضمن كتاب التراث العربي جانبا كبيرا من الحكمة. ويشير الكتاب إلى أن أبا حيان التوحيدي رأى أن الأمم كلها شريكة في العقول، وإن اختلفت في اللغات، وهذا يقضي بأن الخيرات والفضائل والشرور والنقائص موجودة في جميع الخلق. ومثلما لا يجوز الزعم بأن العرب وحدهم كانوا حكماء، كذلك لا يجوز أن ننزع عنهم كل حكمة.

لذا يلفت الباحث النظر إلى ما يتضمنه التراث العربي من آفاق انفتاحية -لا انكفائية- تجعله يحتل بحق مكانة متميزة في التراث العالمي. كما يرى أن ما من حكمة إلا وقد بُنيت على تصور معين للإنسان، وهي، كائنة ما كانت، نظر في الإنسان أيا كان دون مفاضلة. وهناك حكماء عرب تمكنوا بكتاباتهم وحكمهم من إبراز إسهامات حضارات أخرى. ويتحدث المؤلف عن موقف حكماء العرب من الغير، وهل نقصيه أم ندنيه؟ نسامحه أم نقاتله؟ مشيراً إلى أن “الغير” قد يكون صديقاً وقد يكون غريباً، ويتساءل: من هو “الغريب”؟ أهو الغريب عن وطنه أم الغريب في وطنه؟.

ويؤكد المؤلف أن الثقافة العربية، كانت خلافاً لما يظنه بعضهم، ثقافة احتفاء بالحواس، كما لم تكن ثقافة العقل وحده ولا ثقافة النقل وحده، ولطالما وقف حكماء العرب عند الحواس الخمس وملذاتها، وأعجبوا بعملها وعدوها من المعجزات الشاهدة على عظمة الخلق وجلال الخالق، وألفوا فيها تآليف شتى، ووضعوا لها آدابا وسلوكا. ويتحدث المؤلف عن حب العرب للقراءة، حيث بلغ حبّ الكتاب بالعرب أن أقاموا له أسواقا، وأنشأ البعض من حكمائهم في حب المعرفة نصوصا فريدة، مؤكدا أن للقراءة -كما الكتابة- موقعا مميزا في ثقافتنا العربية، فالحكيم العربي عاشق للعلم، نديمه الكتاب، نسخا أو مطالعة، بل ويسافر من أجله.

15