كتاب يكشف علاقة أباطرة الرسم العالمي بالفن الإسلامي

يهدف كتاب “جسر الصورة” للناقدة التشكيلية المصرية إيناس حسني إلى إلقاء الضوء على التواصل بين فنون الشرق وأوروبا، حيث تمثل الفنون التشكيلية إحدى نقاط التماس بين الحضارتين الشرقية والغربية، فهناك تأثير متبادل بين هذه الفنون التي أنتجها الإنسان على مدى تاريخه الطويل، والتى تظل شاهدة على قوة فنون الشرق حتى الآن في أوروبا، تحديدا في أسبانيا وإيطاليا وفرنسا، وحتى داخل شمال أوروبا نفسها.
الجمعة 2016/07/15
بورتريه لأولغا على الكرسي لبيكاسو

القاهرة - مع اتصال أوروبا بالشرق الأقصى بداية من فترة الكشوف الجغرافية، بدا أن الاستشراق الفني الأوروبي تأثر في تلك الفترة بالفن الهندي والصيني والياباني وفنون أفريقيا، وانعكست هذه الحقبة بصورتها الاستشراقية في أعمال الكثير من المصورين الأوروبيين والمحدثين أمثال سيزان وغوغان وبيكاسو وماتيس.. وغيرهم، هذا ما كشفته الناقدة التشكيلية المصرية إيناس حسني في كتابها الجديد “جسر الصور”.

وتؤكد المؤلفة أنه بتتبع التأثير الفني بين الشرق والغرب المبكر واستمراره حتى وقتنا المعاصر تكمن أهمية الاستشراق وقضيته على المستوى الفني، وتقول “مع أوائل القرن التاسع عشر حدث توسع أكبر، حيث أخذ الفنانون الغربيون من المطبوعات اليابانية والصينية زخارفها وألوانها.. وتكويناتها”.

وفي القرن التاسع عشر ظهرت موجة طاغية أدت إلى انتشار قوى للفنون الصينية واليابانية على نطاق واسع في إنتاج المصورين الغربيين عن طريق مطبوعات الخشب المحفور، إلاّ أن كل ما حدث فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كان محاولات على نطاق ضيق، فكانت الاستفادة عن طريق النقل فقط، أما مع بداية القرن العشرين فقد حدثت سلسلة من التمردات على الفن التقليدي.

كانت باريس في بداية هذا القرن ملتقى الفنانين من كل صوب يرتادونها لممارسة التمرد على تقاليد الفن الواقعي، واتجه الفنانون الغربيون للاقتباس من فنون أخرى، فكانت الفنون الشرقية، ويؤكد على ذلك جون ديوي، بقوله “في مطلع القرن العشرين، كان الجانب الأكبر من الإنتاج الفني قد وقع تحت تأثير الفنون المصرية، البيزنطية، الفارسية، الصينية، اليابانية والزنجية”.

تاريخ الفن الإسلامي

وتكشف حسني أيضا “وجدنا الروح الزخرفية لفنون الشرق الأقصى قد امتزجت في أعمال غوغان الرمزية لمذهب التكوين الموحد، ونرى الزخارف والتكوينات الإسلامية قد استخدمها ماتيس رائد المدرسة الوحشية، ونشاهد المدرسة التكعيبية التى انتقلت إلى الجواهر الهندسية للأشكال الطبيعية، وهذا ما يتفق وطبيعة الفن البدائي الزنجي”.

وتسترسل الناقدة المصرية موضحة “نرى السريالية (التي تعمل على حل رموز عالم الأحلام وتهدف إلى معرفة خبايا العقل الباطن)، وقد اتخذت أسلوبها من فنون الحضارات القديمة وخاصة الفن الفرعوني، ونلمس جذور الأساليب التعبيرية في الفنون البدائية الزنجية التي تتخذ وسيلة التعبير بالحركات الجسدية، ولقد أدرجت مجموعة هذه الاتجاهات تحت اسم الفن الحديث، واعتبرت تطورا للفنون القديمة، حيث أن الفن الحديث باتجاهاته، إنما هو امتداد للتجارب الفنية في حركاتها المتطورة منذ ما قبل التاريخ إلى الآن”.

وتضيف “هكذا استوحى الفنان الغربي من الفنون الشرقية أشكالها، ثم وضع هذا الشكل في قالب فكري، فامتزجت الغربية بالشرقية في إطار جديد كان له أثره على الذائقة ولاقى إقبالا، ونظرا للآثار التي أحدثتها فنون الشرق في فنون الغرب، فإنها تستحق الدراسة، وذلك من خلال تحليل أعمال الغربيين ومقارنتها بأصولها الشرقية والسعى وراء الأسباب التي رفعت من قيمتها الفنية، ولذلك أصبح الدور المهم الذي لعبته ثقافات الحضارات الشرقية، من علم، وفكر، وفلسفة، وفن، في نهضة الفكر الأوروبى وازدهاره من الأمور التي يجمع عليها الباحثون، بل ومن الحقائق التاريخية الثابتة التي لا سبيل إلى إنكارها رغما عن آراء بعض المتعصبين الذين ينكرون ذلك”.

وفي محاولة للتعرف على السمات الشرقية وأثرها على الفنانين الغربيين، تتوقف المؤلفة على القوام الفني لهذه الفنون وكشف الغطاء عن مضامينها الفكرية والفلسفية وجوانبها الروحية والوجدانية، إذ أن تلك الصفات قد أغرت الفنان الحديث بأن يتجه إليها في محاولة استلهام عناصرها في تجربته، ولذلك فإن كتاب “جسر الصورة” يهتم أساسا بهؤلاء الفنانين المحدثين الذين استلهموا الفنون الشرقية في أعمالهم.

وعلى هذا النحو فإن أوروبا وفنونها منذ عصر النهضة، تأثرت تأثرا بالغا بفنون الشرق وهو ما انعكس على الثقافة والحضارة الأوروبيتين، بصورة جعلت أوروبا لا تندفع أكثر في هاوية الظلمات الإنسانية.

تختار المؤلفة حياة وأعمال أربعة فنانين تأثر بعضهم بالفن الإسلامي، وبعضهم الآخر بفنون الشرق الأقصى، وآخرون بالفن الأفريقي والفن المصري القديم، فبول غوغان تأثر بالفن المصري القديم وبالفن الياباني، وكذلك هنري ماتيس تأثر بالفن الإسلامي، وبيكاسو تأثر بالفنون الإسلامية والأفريقية، وفازاريللي تأثر بالفن الإسلامي فكانت “المشربية” والفسيفساء، النجمة و”المفروكة الإسلامية” بادية في آثارهم الفنية.

17