كتبتنا البنات قصائد تؤرق شيطان الشعر

السبت 2014/03/08
الملا: كتبتنا البنات حتى سالت رائحتـنا من الأسلاك

في المجموعة الشعرية “كتبتنا البنات” الصادرة عن المركز الثقافي العربي بالتعاون مع النادي الأدبي بالرياض يقف أحمد الملا على لغة لا تكاد تتوقّف عن تأصيلها للصور الشعرية الملتقطة ببصيرة الرائي. اللغة تستحيل من مشهد عادي لسؤال وجودي يتحوّل العالم في أفقها إلى قرابين وأحاج ومذابح وأمنيات وأعياد ومآتم ومآدب وصلوات ورقص. في حضرة الشعر يستطيع الملا بسهولة أن يقنعك أن العالم بكل تناقضاته ما هو إلا أغنية واحدة في فمه.

لئن كان عنوان “كتبتنا البنات” منتخبا من عنوان قصيدة بالمجموعة الشعرية، فإن الملا يتجاوز هذه القصيدة ليستحضر “البنات” في الديوان كله كأمثولة إنسانية صوفية أصيلة تتعلّق بذاكرة الشاعر المحتفية بالوجع أو الفرح مع المرأة (الجدة/ الأم/ الأخت/ الزوجة/ الحبيبة/ والغريبة).

يقول الملا: “كتبتنا البناتُ حتى سالتْ رائحتـُنا من الأسلاكِ، لهذا ابتكرنَ نقلَ الهواتفِ ظنـّاً منهنّ أن حرَّاس العائلةِ لن يفطنوا إلى حمرةٍ يتعثرُ بها الهمسُ”. ويقول: “تلبسين الماء؛ “ليت الفتى حجرُ” يا ليتني. همتُ في الصوتِ لم أميِّزَ وهمَهُ وصداهُ، تناهبَتْ أغصاني السهولُ وما كلـّمتني القناديلُ إلا في القطافِ، أغاني الرعاة تخطـَّفتْ وشمي وفرّقَ قطعانَهم رُغائي ونَشَبَتْ رايتي في غدير الفزع. أيّها المطرُ زَلـَّتْ قدماي في سرابٍ ولطـَّخَ الملحُ حروفي. ضربتُ بعصايَ فتطايرتْ فضّة ٌمن رجفةِ الشتاء”.

سيرة النص

في “كتبتنا البنات” لن يجد القارئ في لغة الملا أي ملمح من ملامح الاحتقان العربي الذي أفرزه الربيع، ويعود ذلك لأمرين: الأول يكمن في لغة الملا نفسها التي لم تعتد على اقتحام مناطق “الخطاب الشعري”، فهو غير معني به بقدر عنايته باللغة الناضجة الآتية بعد تأمل الملحمة وانتهاء معركة الطارئين. الأمر الثاني يقع في كون المجموعة أنجزت قبل اندلاع نيران الربيع الدموية، حيث “كتبت مابين: مارس 2006 – سبتمبر 2007″. وهو ما يقودنا إلى السؤال عن سبب عودة الملا لطباعة منجز قديم وهو الشاعر المتجدد.

ما أراه من أنماط كتابية جديدة في المشهد الثقافي السعودي هو معطى أولي لانفجار الاتصال الكوني

يحدثنا الملا عن ذلك قائلاً: “مجموعة كتبتنا البنات أنجزت نصوصها في ذاك التاريخ، وكانت جاهزة ومعدة للنشر حينها مع لوحات فنية من أعمال الفنانة ريم البيات وأرسلتها الى أحد الأندية الأدبية لطباعتها عام 2008، لكن النادي تراجع حسب قوله حينها لطبيعة التكلفة العالية التي يحتاجها كتاب مخرج بتصميم فني مختلف ولوحات ملونة، وتركته جانباً باحثاً عن وسيلة لإصداره عن طريق جهة أخرى، وفي عام 2009 تراجعت الفنانة ريم البيات عن رغبتها في الإصدار المشترك (ربما رغبة منها في تحرير النص الشعري من الالتزام باللوحات الفنية) وحينها أعدته إلى ذات النادي الأدبي، وكنت أنجزت حينها نصوص “تمارين الوحش” وأرسلتها للطباعة (كنت مخطئا في ثقتي من صدور “كتبتنا البنات”، وذكرت ذلك في السيرة المرفقة نهاية تمارين الوحش) إلا أن المحاولة لم تنجح أيضا، وكان السبب الجديد ملاحظات رقابية على بعض النصوص”.

وأضاف الملا “كتبتنا البنات” كانت جاهزة للطباعة، وبالنسبة لي لا أعد كتابا للطبع إلا بعد أن أتيقن من مفارقته واختلافه عما سبقه، وامتلاكه للشرط الفني الذي يمكنه من أن يكون بين يدي القارئ بين غلافين، لهذا عندما التقيت بالكاتبة ليلى الأحيدب في معرض الكتاب بالرياض عام 2013 وعرضت رغبتها في إصدار كتاب لي من نادي الرياض الأدبي، لم أتردّد في دفعه من جديد، فهو بالنسبة لي منجز مؤجل”.


توهج قصيدة النثر


الملا الذي ينحدر من الأحساء شرق السعودية عام 1961 يعدّ من رواد قصيدة النثر منذ الثمانينات في المملكة مع جيل شعري كامل من أمثال محمد عبيد الحربي وإبراهيم الحسين وغسان الخنيزي ومحمد الدميني وآخرين. جاء هذا الجيل بحذاقة كبيرة ليفكك الإرث ويعاود التبصّر فيه بعد أن تخلّص من حمولة الأنماط الكلاسيكية التي كانت -باعتقادهم- تثقل كاهل القصيدة الحرة. يقول أحمد الملا متحدّثاً لصحيفة “العرب” عن قصيدة النثر بالسعودية: “قصيدة النثر في السعودية ستكون في طليعة المشهد الشعري، ليس في موطنها فقط بل على مستوى الكتابة العربية، وها أنا أشهد ذلك الآن، ليس من حيث تعداد الشعراء، بل يضاف له فرادة التجارب الشعرية بين شاعر وآخر، وفي رأيي الشخصي أن هذه الفرادة هي حصيلة ونتاج لزمن العزلة التي عاشت فيها السعودية، حتى انفجار الاتصال الكوني، الذي حطم الحدود والموانع. وما أراه من أنماط كتابية جديدة في المشهد الثقافي في السعودية إنما هو معطى أولي لذاك الانفجار، وأثق أنه سيهدأ بعد اعتيادنا على الرؤية من خلاله، ولن يستمر كما هو عليه بنفس الضبابية المشوشة”.

لا شيطان للشعر


الآن، نصافح الملا شاعراً مشتغلاً على مشروع يتماهى مع الحالة النصية التواصلية الجديدة وهو يختبر اللغة عبر النصوص الفيسبوكية التي تنطلق من دهشة اللحظة والتفاعل المباشر وهو يفتح صفحة المساءلة للنص بدلالات مبتكرة لم تكن -قبل الآن- قابلة لهذا الجدل. يقول الملا عن ذلك: “ما زلت منغمساً كليا في هذه الحالة الكتابية، ألا وهي الكتابة اليومية والدفع بها مباشرة للنشر عبر صفحتي في الفيسبوك، لم أصحُ منها بعد، لذا فالحديث عنها بشكل منجز لم أتمكن منه بعد. يعرف المعتاد طويلا على العلاقة الكتابية مع القلم والورقة مدى الدهشة في الانتقال إلى الكيبورد والشاشة، والانتقال من الثانية التي كانت خبيئة للنص ومخزنا له حتى يفرج عنه للنشر بعد شهور مطبوعاً ورقياً في صحيفة أو مجلة أو كتاب. انتقال مباشر للنشر الفوري، والتقاط الانطباعات لحظة الكتابة، لدرجة الاندهاش الذاتي حين تعود للنص بعد يوم أو يومين لتكتشفه من جديد.

ذاك أمر مربك حدّ الذهول والقلق النافض لميوعة التعامل الخالص مع النص وكأنه ملكية شخصية بحتة، كأني وقعت على عهد مع قارئ افتراضي، أن يرى ما أكتبه بمجرد إنجازه ووضع عنوانه، عهد أدخلني في حالة مدهشة من التعاطي مع الكلمات، وكيفية الذهاب للكتابة بقصدية ما، عهد نسف كل ما قيل لي سابقا عن “الوحي”، “شيطان الشعر”، أو الانتظار المقدّس لنزول الشعر على الشــاعر.

16