كتب أتلفها أصحابها وأخرى أكلتها النيران

الباحث خالد السعيد يتتبع في كتابه "حرق الكتب" بعض ما لحق بالمكتبات من نكبات لما فيها من أفكار تناهض الحاكم فتعرضت للملاحقة أو الإتلاف.
السبت 2018/08/25
حرق للذاكرة (لوحة: إبراهيم بريمو)

يتناول كتاب “حرق الكتب” للباحث السعودي خالد السعيد عدة حكايات لكتبٍ أتلفها أصحابها بأيديهم لأسباب متعددة، أبرزها شعورهم بالإحباط من مجتمعاتهم التي تجاهلتهم وربما حاربتهم ولم تمنحهم ما يستحقونه من التقدير المعنوي والمادي كما فعل أبو حيان التوحيدي.

كما يلقي الضوء على مجموعة كتب قامت السلطة السياسية أو الدينية أو كلاهما معاً، بملاحقتها وإتلافها، لما فيها من أفكار تناهض الحاكم، وتؤلب الرأي العام عليه، أو لما اشتملته من أفكار تخالف السائد من المعتقدات الدينية بين الناس.

كما يتتبع الكتاب، الصادر مؤخراً عن دار أثر السعودية، بعض ما لحق بالمكتبات من نكبات وحرق وإتلاف، مثل ما حصل لمكتبة آشور بانيبال، ومكتبة القسطنطينية، ومكتبة الإسكندرية، ودار العلم، وبيت الحكمة، ومكتبة الموصل، وغيرها. ليخلص الكاتب إلى نتيجة تقول: بأن المستعمر للبلاد العربية والإسلامية هو الجاني الأول والأبرز والحقيقي بين كل الجناة المتعددين. يقول السعيد: “بما أن المكتبات تشكّل ذاكرة لأهالي تلك البلاد المغلوبة فلا عجب بعد هذا لو قام الغازي المحتل بإضرام النار فيها حتى يحرق ذاكرة عدوه ويذيب هويته”.

كتب أتلفها أصحابها بأيديهم لأسباب متعددة
كتب أتلفها أصحابها بأيديهم لأسباب متعددة

 يَعِدُ السعيد  كتابَه “حرق الكتب”، امتداداً وإضافة إلى ما كتبه الباحث ناصر الخزيمي صاحب كتاب “حرق الكتب في التراث العربي” الصادر عن دار الجمل قبل خمسة عشر عاماً، حيث يقول في تمهيده لمحتوى الكتاب المشتمل على بابين مكوّنين من فصلين لكل باب: “أذكر إنني حينما فرغت من قراءة كتاب الخزيمي قبل ما يقارب من ثمانية أعوام، قلت في نفسي، وقد استهواني الكتاب وأعجبتني فكرته: لماذا لا أضع كتاباً على تلك الشاكلة؟ وظلت هذه الفكرة معي أمداً طويلاً، تطفو قليلاً، وتغفو كثيراً، تقترب مني مرة، وتبعد عني مرات. ولّما كانت بداية العام الميلادي، عام 2017، عزمت على تحويل هذه الفكرة المجرّدة إلى واقع ملموس”.

وحتى لا يكون كتابه تكراراً لكتاب الحزيمي عمد السعيد إلى تعقب حوادث إتلاف الكتب من ظهور الإسلام وحتى يومنا هذا، متحدثاً عن حرق المكتبات في الدول الإسلامية في الماضي والحاضر. وحتى لا يبقى استقصاؤه محصوراً على المسلمين دون سواهم وسّع دائرة بحثه للأمم الأخرى في العصرين؛ الماضي والحديث.

 ويبيّن السعيد في كتابه أنه لم يكن ينوِ تتبع كل حوادث إتلاف الكتب والمكتبات بنية الحصر الكامل لها، سواء تلك الإتلافات التي حصلت لدى المسلمين أو غيرهم. ويوعز ذلك إلى ثلاثة أسباب: أولها، تعذّر الاستقصاء التام لكل المحارق التي حصلت في البشرية للكتب، والسبب الثاني، عدم توافر الوقت والتكلفة المادية العالية للبحث، وأما السبب الأخير، فيكمن في ضخامة العمل الورقي المكتوب، الأمر الذي قد يُنفّر القارئ منه.

  تناول السعيد في الفصل الأول من الباب الأول صوراً من كتب جرى حرقها في البلاد الإسلامية؛ بعضها على أيدي أصحابها، وأغلبها على أيدي الخصوم من أهل السياسة أو أهل الدين. وأما الفصل الثاني من نفس الباب فيتجول السعيد فيه بين مكتبات الدول الإسلامية التي انتهت واحترقت منذ أكثر من ألف عام.

ويرصد الباب الثاني من الكتاب بعض حوادث إحراق الكتب عند غير المسلمين، بدءاً من عصور ما قبل الميلاد، وانتهاءً بالعصر الحديث. وأما الفصل الثاني والأخير منه فينتقل السعيد فيه بين محطات مختلفة من الزمن ليمرّ على مشاهد احتراق المكتبات عن الأمم المختلفة من شرق الأرض وغربها.

15