كتب الأرصفة.. من سور أزبكية واحد إلى أزبكيات متعددة

معارض الكتب القديمة تراهن على عدم اهتمام الكثير من القراء بجودة الغلاف أو درجة لون الورق أو تقادمه، بل الحصول على  المعلومات بما يناسب مواردهم المادية المحدودة.
الثلاثاء 2019/02/19
الكتاب في متناول الجميع

تسبب تحجيم مشاركة مكتبات الأزبكية للكتب المستعملة في الدورة الخمسين بمعرض القاهرة الدولي للكتاب مؤخرا من خلال رفع الإيجار وتحديد المشاركين، في استنساخ معارض بديلة في القاهرة ومحافظات أخرى، بعضها اتخذ طابع الاستمرار طوال العام، في تجربة مستحدثة تحمل دلالات متضاربة في بلد يعاني أساسا من ضعف معدلات القراءة.

القاهرة- لم يتخيل أصحاب المكتبات في منطقة الأزبكية بوسط القاهرة أن تكون مقاطعتهم لمعرض القاهرة الدولي للكتاب بوابة السعد على تجار الكتب القديمة، بعد تحول معرضهم البديل الذي استمر حتى 15 فبراير الجاري، إلى تجربة ملهمة بأماكن أخرى، لتتولد معارض صغيرة لا تخلو عناوينها من كلمة أزبكية، كاسبة المزيد من الأرض الخصبة لصالح الكتاب القديم أمام مطبوعات دور النشر الجديدة.

في منطقة ثكنات المعادي في جنوب القاهرة، نظم خالد رضوان صاحب مكتبة للكتب القديمة، معرضا كان من المقرر أن ينتهي مع معرض الأزبكية (15 فبراير)، لكن منظمه قرر أن يستمر طوال العام بعد تصريفه كميات أكبر من المتوقع من الكتب المستعملة التي اشتراها، في معظم التخصصات، بين روايات وكتب علمية وثقافية وتاريخية.

وتراهن معارض الكتب القديمة على عدم اهتمام الكثير من القراء بجودة الغلاف أو درجة لون الورق أو تقادمه، وكل ما يعنيهم هو الحصول على المعلومات بما يناسب مواردهم المادية المحدودة، رافعين شعار أن الحطب القديم للاصطلاء والأصدقاء العتاق للاعتماد والكتب المستعملة للاثنين معا.

وكان خالد رضوان يخطط للمشاركة في معرض القاهرة الرسمي، لكن حالت اشتراطات هيئة الكتاب دون تواجده بعد مطالبته بنحو 14 ألف جنيه (795 دولارا) إيجارا مقابل 4 آلاف جنيه (227 دولارا) العام الماضي، وعدم السماح بدخول المطبوعات سوى مرة واحدة فقط، بما يعني أن ما يباع منها لا يمكن تعويضه.

والمعرض الذي حمل عنوان “أزبكية المعادي” تم تنظيمه بشكل يجمع بين روح منطقة الأزبكية والمعارض الرسمية بتقسيم الكتب وفقا لتخصصاتها وتنظيمها على الأرفف لتسهيل وصول الزوار إليها، ووضع ملصقات على كل إصدار تحدد سعره الجديد بجوار سعره الأصلي وبجانبه عبارة “مستعمل”.

وحمل المعرض عدة مفارقات لكونه الأول في منطقة راقية يتوزع سكانها بين مصريين معروف عنهم قدرتهم المالية، وأعداد كبيرة من الأجانب فضلوا الإقامة بها، أي بجوار سفارات بلادهم التي تحتضنها المنطقة، ودفعت تلك الطبيعة الديموغرافية رضوان لوضع معايير للاختيار بين أكثر من 30 ألف كتاب يمتلكها، ليبدأ في ترميم الكتب القديمة مع الحفاظ على شكل وألوان الغلاف الأصلي، وتخصيص قسم كبير من المعروض للغات الأجنبية.

وقال رضوان لـ”العرب” إن كلمة مستعمل تثير حساسيات مع البضائع باستثناء الكتب، ونحو 80 بالمئة من جمهوره من الأثرياء الذين لا تفرق معهم الأسعار من حيث المبدأ، لكن تبقى المعادلة بالنسبة لهم لماذا اشترى بضاعة غالية السعر طالما يوجد بديل جيد لها؟

أمام المعرض، وقف المهندس أحمد عمر بسيارته الفاخرة التي يتجاوز سعرها مليوني جنيه (114 ألف دولار) ليسأل عن كتاب باللغة الإنكليزية عن جيولوجيا التربة ثمنه في دار النشر بنحو 1200 جنيه مصري (68 دولارا)، وعثر على نسخة قديمة منه حالتها جيدة بنحو 150 جنيها فقط (نحو 7 دولارات).

حرب مستعرة

ابحث عن الكتب النادرة
ابحث عن الكتب النادرة

يعتبر تجار الكتب المستعملة عامل السعر السبب الرئيسي وراء منعهم من المشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، فصحيح أنهم لم يتم منعهم رسميا من الحضور، لكن الاشتراطات كانت مجحفة برفع أسعار الإيجار إلى ثلاثة أضعاف ومطالبتهم باختيار 33 منهم للمشاركة من أصل 108 تجار كتب وهو أمر يخالف المنطق والعقل.

وبعض الكتب القديمة شديدة التخصص لا توجد إلا في مكتبات “المستعمل” التي تتسرب إليها من مكتبات مفكرين وعلماء يجهل ورثتهم أهميتها فيبيعونها بالجملة، وبعضها يكون متهالكا، لكن يتم ترميمه بما لا يتجاوز دولارا واحدا.

ونظم نحو 40 بائعا “معرض السيدة زينب الدولي للكتاب”، الذي يستمر حتى 26 فبراير الحالي، بمنطقة شعبية قريبة من وسط القاهرة، وراهنوا على إعلانات صغيرة نشروها على موقع التواصل الاجتماعي، ساعدتهم على جذب زائرين للشراء خصيصا، أو تحفيزهم للمرور حال تواجدهم بمنطقة قريبة مع طرح بعض الكتب بأسعار رمزية لا تتعدى جنيها واحدا.

ويراهن المنظمون على اختيار مكان يتوسط المسافة بين مستشفى الأطفال التخصصي (أبوالريش) الذي يجتذب المئات من المصريين من محافظات مختلفة تستدعي حالة أبنائهم الطبية القدوم للقاهرة، ومسجد السيدة زينب الذي يفد إليه المصريون من جميع أنحاء الأقاليم القريبة لصلاة الجمعة بباحته والتبرك بمقامه، ما أعطى الكتب الدينية تواجدا ملحوظا.

ولا يميل القائمون على المعرض لتقديم الروايات التي تتواجد بكثرة بمنطقة الأزبكية، بل أصبح تركيزهم على الكتب الثقافية والدينية والقانونية الدسمة، مؤكدين أنهم يخدمون الراغبين في بناء مكتبات متخصصة في المنازل بعدما ساعدوا من قبل مثقفين كبارا على بناء مكتباتهم بسعر رخيص.

ولا تختلف مبررات القائمين على تنظيم المعرض كثيرا عن تجار الأزبكية، لكنهم ينقلون القضية لصراع بين المطبوع القديم والجديد ووقوف القائمين على معرض الكتاب مع الأخير.

وأوضح إبراهيم عبدالعزيز، صاحب مكتبة، لـ”العرب” أن ما يحدث بمثابة إعدام للكتب القديمة من أجل الحديثة ودور النشر، ما يحرم القارئ من التنوع الثقافي وأصحاب الدخول المنخفضة من القراءة.

وغالبا ما يتباهى باعة الكتب القديمة باحتفاظهم بأرقام هواتف الكثير من الصحافيين والمثقفين والمحامين والذين يبادرون بالاتصال بهم حال ورود كتب نادرة لتكون لهم الأسبقية قبل طرحها على باقي الجمهور، لكنهم باتوا أكثر يقظة في التعامل مع بعض المطبوعات الإسلامية الممنوعة التي يسأل عنها البعض أو يعرضون بيعها لعدم الاصطدام بالأجهزة الأمنية.

لا حاجة إلى أن تسافر إلى القاهرة فالكتب تأتيك
لا حاجة إلى أن تسافر إلى القاهرة فالكتب تأتيك

ويعتبر باعة الكتب بالسيدة زينب المعرض بالون اختبار لقياس إمكانية استمرارهم طوال العام على غرار سور الأزبكية الذي كان يوما من الأيام مجرد استراحة باعة الكتب الجائلين، قبل أن يستقروا منذ قرابة المئة عام، ويصبح مقصدا ثقافيا مستمرا بمصر، مراهنين على الأيام الأخيرة من فبراير في نشاط المبيعات مع عودة الطلاب للمدارس ومرورهم من أمام المعرض الذي يوفر شراء الكتاب بثمن رغيفي خبز فقط.

ويؤكد باعة الكتب أن معادلتهم مختلفة عن المكتبات، فكلما زاد الكتاب قدما زاد سعرا، ويفتشون عن المخطوطات القديمة باستمرار بشرط أن تتضمن عنوانا أو تاريخا باعتبارها الأكثر ربحا، وبعضهم يحصل على مؤلفات شديدة الندرة من تجار المنتجات القديمة (الروبابيكيا) الذين يشترونها بالوزن ولا يعرفون أهميتها وقد يدفعون ببعضها للتقطيع لصالح أنشطة تعبئة الفاكهة والخضروات.

انتشار مستمر

على بعد 126 كيلو مترا من القاهرة، احتضنت مدينة المنصورة، في دلتا مصر، معرضا للكتب المخفضة تحت عنوان “أزبكية المنصورة”، وأعلن باعة الكتب عن خصومات كبيرة على عناوين كتب رافعين شعار “لا حاجة إلى أن تسافر إلى القاهرة فالكتب تأتيك إلى حيث كنت”، ورفعوا نسبة الخصم إلى 30 بالمئة، وتكرر الأمر ذاته مع مدينة طنطا التي تبعد عن القاهرة 90 كيلو مترا، وأعاد باعة الكتب المستعملة هيكلة مكتباتهم لتصبح شبيهة بالمعرض وإعلان الأسعار عليها.

ولعب انتشار ثقافة الكتاب المستعمل دورا وراء شهرة مفاجئة لتطبيق إلكتروني وضعه شابان مصريان بعنوان “بوكابيكيا” لتبادل الكتب أكثر من مرة بطريقة تعتبر فريدة من نوعها، رغم تدشينه منذ ثلاثة أعوام، ليصبح العام الحالي مكتبة استعارة للكتب الورقية تضم 12 ألف كتاب.

وينفي تجار الكتب المستعملة تهمة تداول الكتب المزورة، لأنهم يعرفون تبعات التورط ومشكلاتها القانونية وقدرتهم على تنظيم أنفسهم وتنظيم الآخرين بما يساعدهم على التحول إلى طابع بعيد عن العشوائية.

وقال حربي محسب، أقدم تاجر كتب بسور الأزبكية، لـ”العرب” إن الإجراءات التي تمت مع التجار كانت تعسفية ومبالغا فيها، وقرروا تنظيم معارض في كل مكان، والتي لن تسرق الضوء من سور الأزبكية الذي ستظل بصمته حاضرة.

ويعتبر تجار الكتب المستعملة حرمانهم من معرض القاهرة الدولي للكتاب ينطبق عليه المثل الشعبي “رب ضارة نافعة”، فأصبحوا يمتلكون معارض مستمرة طوال العام وحققوا المستهدف بمبيعات أكبر من المشاركة.

تخفيضات دائمة
تخفيضات دائمة

ووفقا للمشرفين على اليوبيل الذهبي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، فإن نسبة المبيعات تجاوزت مبيعات العام الماضي بنسبة تتراوح بين 35 و45 بالمئة بجميع دور النشر التي سجل بعضها مبيعات تتجاوز 250 بالمئة عن العام الماضي وحضورا كبيرا بلغ في يوم واحد  فقط 350 ألف شخص.

ولم يوضح المشرفون على المعرض عدد الكتب التي تم بيعها وركزوا على قيمة المبيعات التي تعطي مؤشرات يمكن تأويلها مع رفع أصحاب المكتبات أسعارها العام الحالي بنسب تقترب من 50 بالمئة، إلى جانب الطبيعة التنظيمية للمعرض التي جعلته مؤهلا للتنزه الأسري بكمية المطاعم والاستراحات التي يضمها، فليس كل زائر هدفه في المقام الأول شراء الكتب.

حديث دور النشر وتجار الكتب عن مبيعات كبيرة للمطبوعات العام الحالي فتح العديد من التساؤلات حول الدراسات المصرية التي تؤكد ضعف معدلات القراءة وشكاوى الناشرين المستمرة من المخاطر التي تواجه صناعتهم مع جمهور يخلق مقارنة مستمرة بين سعر الكتاب وقيمة المأكولات والمشروبات ودائما ما ينتصر غذاء البطون على العقول.

وينفي الكاتب يوسف زيدان تلك المفارقات بالتأكيد على وجود تزايد بمعدل القراءة عربيا وإن لم تصل بعد لمستوى الدول الأوروبية، معتبرا خلال حفل توقيع رواية “فردقان” بمكتبة ديوان في حي الزمالك بوسط القاهرة أخيرا، أن المصريين تجاوزوا الثقة التاريخية التي عانوا منها باستمرار وتحرروا من عباءة جيل الستينات الذي صدعهم بأنهم شعب لا يقرأ، وتأكد أن الكتب الجيدة تنفد باستمرار من المطابع وتجد من يقرأها.

20