كتب التراث الإسلامي تحتاج قراءة حديثة تقربها من سمات هذا العصر

تتعرض كتب التراث الإسلامي مؤخرا إلى انتقادات وقراءات مختلفة لمضامينها من قبل إعلاميين ومثقفين ومفكرين يعتبرونها مصدرا من مصادر التطرّف الديني لدى شباب اليوم، هذه الانتقادات طالت صحيح البخاري وقصص القادة العرب والمسلمين وعددا من المفسرين، وطالب البعض بتنقية هذا التراث وعرضه بشكل جديد، بينما طالب آخرون بشطبه وحذفه من ذاكرة الأمة.
الاثنين 2015/05/11
بعض أطروحات كتب التراث الإسلامي اتسمت بالجمود بسبب الإهمال

يؤكد العلماء، أن تراث أيّ أمة يدعّم استمرارها ووجودها بين دول العالم، لأن أمة بلا تراث لا تستحق أن تسمى أمة، واستبعد العلماء أن يكون هذا التراث مصدرا للممارسات الإرهابية، بما يعد ظلما للأمة والتراث.

ويرى شارل سان يرو، مؤلف كتاب “هل الإسلام دين قاس متصلب كما يراه البعض؟”، أن الإسلام جاء عكس اعتقاد الكثيرين، فقد نقل الإنسان من الوثنية إلى التفكير والتدبّر بعبادة رب واحد، وقال: إن ذلك جليّ من خلال كتب التراث التي جاء بها علماء عاصروا تبليغ الرسالة السماوية، وأتت بكل ما ينفع البشرية، ولكن المغالاة في التديّن تؤدي إلى التعصّب والتطرّف، وهذا يتبعه تصدير صور عكسية عن الإسلام.

ومن جانبه، قال د. أحمد عمر هاشم، عضو هيئة كبار العلماء ورئيس جامعة الأزهر الأسبق: إن هناك بعض المنظمات الدولية التي تلعب دورا خطيرا باتجاه كتب التراث الديني، حيث إنها تدعّم الهجوم العنيف عليها، وتتهمها بالجمود وتصدير الأفكار المتطرّفة، الأمر الذي عزّز انتشار الإرهاب، بالإضافة إلى اتهامها لمناهج الأزهر بأنها تعدّ البوابة الخلفية لتفشي الإرهاب في الدول الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط.

مشيرا إلى ضرورة النظر إلى هذا التراث، وإظهاره بالكيفية التي يستحقها من خلال الدفاع عنه، ودحر الفكرة الشيطانية التي تعبّر عنه تلك المنظمات. وأضاف أن كتب التراث الديني ليست المشكلة، بل إن الخطأ كامن في طريقة تناول هذه الثروة الدينية التي قال عنها الشيخ الشعراوي “إنها تاريخ ثري للأمة الإسلامية، ولهذا يجب الحفاظ عليها والدفاع عنها”.
مناهج كتب التراث تتسم بالتفرد، وهذا لا يعني أنها غير قابلة للتطوير، ولابد من إعادة النظر لما فيها من أطروحات جامدة

ولفت د. عمر هاشم، إلى أن ما تم تداوله على ألسنة الكثيرين خلال الفترة الراهنة، في ما يتعلّق بالإسلام ونصوصه، أثّر على ممارسات البعض بطريقة سلبية وأظهر الدول الإسلامية على أنها داعمة للإرهاب، داعيا إلى تدخّل الدول لوقف هذا الهجوم، الذي نال من هيبة تراث الأمة الإسلامية المتفرّد، والدفاع عن الهوية الإسلامية للوطن الإسلامي عامة، وقال: إن أمة بلا تراث لا تستحق أن تسمى أمة، إذ أن التراث يدعّم استمرارية وجودها العالمي، وهذا التراث دعّم قيمة الأمة الإسلامية في العالم، فضلاً عن أنه سبب في احترام جميع الدول لأمتنا.

واستنكر د. عمر هاشم الأفكار التي تروج لاعتبار التراث مصدرا للتنظيمات المتطرّفة وللممارسات التي تقوم بها في عدد من الأماكن على مستوى العالم، وقال: إنه يعدّ ظلما ليس له مبرر، وهذا الأمر صدّقه كثر، وزاد من الهجمة الشرسة على التراث الإسلامي.

ويقول أحمد علي عجيبة، أمين عام المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية: إن هناك بعض كتب التراث التي تحتاج إلى تطوير ومراجعة، خاصة في ما يتعلّق بالشرح الموجود بها وتفسير بعض النصوص الشرعية، شريطة عدم المساس بما أنزل الله، وذلك تفاديا لعمق الخلاف القائم حول تأثير كتب التراث على الممارسات الحالية والأفكار المتبناة. مشيرا إلى أنها وضعت من قِبَل البعض أمام عدسات الانتقاد اللاذع، حيث يرون أن التراث الإسلامي هو السبب في ما يحدث، الأمر الذي شجّع البعض على تناول النصوص القرآنية والأحاديث الشريفة بالنقد والتجريح، فضلا عن أئمة الإسلام والفقهاء والعلماء بما لا يليق.

وقال: إن ذلك يتطلّب تدخّلا سريعا من قِبَل الأزهر للوقوف ضد هذا التطاول، من قِبَل الذين نعدهم من المفكرين والمثقفين وأصحاب العقول المتفتحة، ولكن بما أن الأمر وصل إلى هذا الحدّ من التطاول، فيجب معاقبة كل مَنْ اتهم الإسلام والنصوص القرآنية بدعم الإرهاب، لأن الإسلام كدين لا يستحق هذه الإهانات.

وذكر أن كتب التراث بحاجة إلى نقاش أكاديمي وليس إلى التشكيك فيها، لأن التشكيك في كتب التراث يعني التشكيك في الشريعة والسنة، وهذا ما يرفضه علماء الأزهر الشريف.

وأشار عجيبة إلى ضرورة البدء في تطوير ما في كتب التراث من شرح لنصوص الشريعة والسنة، مع الأخذ في الاعتبار التحوّلات التي طرأت على الوطن الإسلامي والعربي، ونسبها للإسلام باعتباره دينا متعصّبا، كما قالت بعض الشخصيات المصرية التي تهتم بإظهار الأديان خاصة الدين الإسلامي، بأنه الدين الذي جسّد التطرّف.

إن ما تم تداوله على ألسنة الكثيرين خلال الفترة الراهنة، في ما يتعلّق بالإسلام ونصوصه، أثّر على ممارسات البعض بطريقة سلبية وأظهر الدول الإسلامية على أنها داعمة للإرهاب

ويتفق معه د. علي جمعة، مفتي الديار المصرية الأسبق، حول أن مناهج كتب التراث تتسم بالتفرد، ولكن هذا لا يعني أنها غير قابلة للتطوير، وقال: لابد من إعادة النظر لما فيها من أطروحات اتسمت بالجمود، وهذا ما دعا البعض إلى التطاول على الإسلام، وما حدث خلال الفترة الأخيرة ينم عن أن هناك شيئا خاطئا يجب تعديله.

ويؤكد جمعة، أن النظر إلى هذه المواد في كتب التراث، لابد أن يكون بنفس طريقة نظرة الغرب إلى تراثه، حيث إنه يهتم بأن يكون تراثه مراعيا للأمور الإنسانية والدنيوية، وهذا لابد أن نفعله عند النظر إلى التراث الإسلامي، مع الاهتمام بأن هذا التراث يغذّي الروحانيات والإنسانية وهذا هو الفرق بين الغرب والدول الإسلامية في مجال الاهتمام بالتراث.

ويؤكد أن هذا التراث معرض للخطر إذا كانت المعالجة بالحذف، حيث أن ذلك سيكون مقدمة لحذف تفسيرات الأئمة السابقين، لنصوص القرآن وأحاديث السنة النبوية، وهذا يعدّ انتهاكا لحقوق الأجيال القادمة، ويعني حرمانهم من تراثهم الإسلامي، ومن ثم القضاء على الفكر الديني لديهم، وستتأثر الهوية الإسلامية بذلك.

وقال: إن ما يقوم به البعض بالتطاول والهجوم على التراث يعدّ خرقا لتعاليم الإسلام، ولابد من موقف يتسم بالقوة يتخذه الأزهر وكل المؤسسات الدينية، لأنها مسؤولة عن حماية التراث والدفاع عن الدين. وأوضح، أن موقف الأزهر تجاه مَنْ قاموا بالهجوم على التراث بالباطل لن يكون بسيطا، لأن الدين أعلى قيمة من موقف برامج نالت من الدين وصحة التراث والعقيدة، “لأن القضية ليست برنامجا قصد به سوء التناول، ولكن القضية تكمن في الفكر المناهض لسماحة الإسلام ويسره”.

12