كتب السيرة الذاتية ما بين عزوف الكتاب وإقبال القراء

الثلاثاء 2014/05/20
فؤاد قنديل ويوسف نوفل: الكاتب العربي قد يخجل من ذكر تفاصيل سيرته

القاهرة- الشكوى من ندرة أعمال السيرة الذاتية في مصر كانت دوما حاضرة، نظرا لما يحمله هذا الفن من بعض الانتقادات الموجهة للكاتب سواء على مستوى الأسرة والقبيلة أو على مستوى المجتمع ككل، الذي ربما لا يتقبل الصراحة أو الصدق الزائد والذي يعدّ شرطا ضروريا لكتابة سيرة ذاتية حقيقية.

في الوقت الذي عكف فيه الأديب العالمي نجيب محفوظ على كتابة العديد من الأعمال البارزة، لم يلجأ إلى كتابة سيرته الذاتية بشكل واضح، واكتفى بكتابة “أصداء السيرة الذاتية” التي حملت خلاصة تجاربه في الحياة بشكل عام وليس شخصيا، وهو ما لم يكن موجودا في الغرب الذي شهد صدور العديد من السير الذاتية الهامة على رأسها مذكرات أينشتاين وجان جاك روسو.

وبالرغم من ذلك، فقد صدر في السنوات الأخيرة عدد كبير من كتب السيرة الذاتية وخاصة لكبار السياسيين والمسؤولين والإعلاميين، والتي لاقت رواجا وإقبالا كبيرا من قبل القراء على اقتنائها في محاولة منهم لاقتحام العالم الخاص الذي نسجه هؤلاء الكتاب في سيرتهم الذاتية.


عشت مرتين


من أحدث الإصدارات في مجال السيرة الذاتية، كتاب “عشت مرتين” للإعلامي حمدي قنديل والذي يروي فيه سيرته الذاتية منذ ميلاده عام 1936، وحتى الآن، ويعرض فيها تفاصيل دقيقة من تاريخ مصر، وتضمّ المذكرات 26 فصلا، منها “سنوات التليفزيون الذهبية”، “عصر استعمار المعلومات الجديد”، “الثورة التي خذلها البرادعي”، و”مأساة فيرمونت” و”ما أدراك ما الستينيات؟” و”مهنة مستباحة” .

يعدّ كتاب “طريقي.. سنوات الحلم والصدام والعزلة من القرية إلى رئاسة الوزراء” لرئيس وزراء مصر الأسبق كمال الجنزوري، من الإصدارات الحديثة أيضا في مجال السيرة الذاتية، والذي يستعرض فيه حياته وطفولته وفترة هامة من تاريخ مصر.

أما عن كتاب “شهادتي” الذي كتبه وزير الخارجية المصري الأسبق أحمد أبو الغيط ، فيعدّ بمثابة تأريخ لفترة عمله منذ اليوم الأول له في وزارة الخارجية عام 2004، ومن ثم تأريخ لفترة هامة من التاريخ المصري، وجوانب جوهرية في حياة المجتمع المصري أثناء فترة حكم الرئيس الأسبق مبارك.

كما يعدّ كتاب “أثقل من رضوى” للأديبة رضوى عاشور بمثابة مقاطع هامة من السيرة الذاتية للروائية والأديبة البارزة، كما يعدّ من الكتابات الحديثة في مجال السيرة الذاتية من قبل أحد الأدباء البارزين.


السيرة الذاتية


عرف الأدب العربي كتابة السيرة منذ القدم، وكانت تقتصر في البداية على التراجم، ولكن ظهرت السيرة الذاتية بشكلها الحالي مع نشأة الرواية في العالم منذ ما يقرب من مئتي عام، ويعدّ كتاب “الأيام” للأديب المصري طه حسين، ورواية “زينب” لمحمد حسين هيكل من أبرز ما كتب في مجال السيرة الذاتية، فضلا عن كتب أخرى أثرت التراث العربي منها كتاب “قصة حياة” للمازني، و”حياتي” لتوفيق الحكيم، و”الرحلة الأصعب” لفدوى طوقان، و”البئر الأول” لجبرا إبراهيم جبرا.

عرف الأدب العربي كتابة السيرة منذ القدم، وكانت تقتصر في البداية على التراجم

هناك نوعان من كتب السيرة الذاتية، الأول هو السيرة الذاتية التي يكتبها الكاتب عن نفسه، وهناك السيرة الغيرية التي يكتبها الكاتب عن غيره والتي يتناول فيها الكاتب حياة من يترجم له بأسلوب منهجي للكشف عن عناصر الشخصية.


الصدق الشديد


يتحدث الروائي المصري فؤاد قنديل عن سبب عزوف العديد من الكتاب العرب عن كتابة سيرهم الذاتية قائلا: “الكتاب العرب يعزفون عن كتابة السيرة الذاتية لأنهم يخشون العائلات، فالصدق الشديد شرط لكتابة السيرة الذاتية، ونحن مجتمع شرقي لا يفرح بالمغامرات أو الأخطاء والنزوات، كما أن معظم حياة الكتاب والمثقفين قليلة الجاذبية من حيث الأحداث، فالبعض يكتب سيرته الذاتيه من دون جاذبية، والناس يريدون أن يعرفوا تجارب وخبرات الشخص والبعض يخجل من ذكر الظروف الصعبة خوفا من انتقاد العائلة أو المجتمع.

ويستطرد فؤاد، الذي كتب جزأين من سيرته الذاتية التي تتكون من ثلاثة أجزاء بعنوان “المفتون”، قائلا: “ظللت عدة سنوات لا أستطيع أن أكتب السيرة الذاتية خوفا من عدم تقبل الأسرة لما قد أذكره في سيرتي، وبعدها حسمت أمري ووصلت إلى أني أريد أن أخدم فن السيرة الذاتية، وبالفعل كتبت منهــــا جزأين وبقـــي جزء أخير لم أكتبه بعد”.

ويتابع قوله: “كان دافعي لكتابة سيرتي الذاتية هو إحساسي بأن حياتي بها العديد من الأحداث الهامة التي تستحق أن تقدم للقراء، فضلا عن معايشتي للعديد من الأحداث الهامة من تاريخ مصر في الخمسينيات والستينيات وهو ما أردت رصده، فضلا عن رغبتي في تطوير هذا الفن نظرا لأنه لم يعد في مستوى السير الذاتية الأجنبية التي تتميز بجسارة الاعتراف”.


حياة المجتمع


الناقد الأدبي يوسف نوفل أكد أن كتب السيرة الذاتية تستمدّ أهميتها ليس فقط من رصدها وتناولها لحياة الشخص، ولكن من تناولها لحياة البلاد والمجتمع في الفترة التي يؤرخ لها الكاتب أو الأديب، فهي تعدّ بمثابة شهادة على العصر من قبل كاتب السيرة الذاتية. وأشار إلى أن هناك العديد من الكتب الرائدة في مجال السيرة الذاتية من أبرزها كتاب “الأيام” لطه حسين والذي استمدّ شهرة واسعة وإقبالا شديدا على الاطلاع عليه من قبل مختلف الفئات، وأيضا السيرة الذاتية للكاتب أحمد فارس الشدياق التي أرّخ فيها لحياته.

وأوضح أن بعض المفكرين والأدباء يلجؤون إلى تسجيل سيرهم الذاتية عبر أجزاء من رواياتهم وعلى لسان أبطال الراوية وليس في كتب منفصلة، ليكونوا بمنأى عن الانتقادات التي من الممكن أن توجه لهم، لافتا إلى أن هناك نوعين من كتب السيرة الذاتية منها ما هو ذاتي ومنها ما هو غيري ويكتبه الآخرون عن حياة الكاتب وهذا يشوبه في كثير من الأحيان دوافع غير موضوعية.

14