كتب تحت المجهر: الناجون من العقاب

الأحد 2014/01/12
فيبير يتساءل عن الحد الفاصل بين الخير والشر

برغم المجازر الفظيعة التي ارتكبها الخمير الحمر زمن السفّاح بول بوت ما بين 1975 و1979 لم يحاسب سوى “دوتش” مدير سجن بنوم بنه، وظل القتلة في منأى عن المحاسبة يحيون حياتهم في جهة من كمبوديا تتمتع بما يشبه الاستقلال الذاتي. وكان لزاما على أوليفييه فيبر الكاتب الرحالة أن يستعمل الحيلة للوصول إليهم وتقصّي أوضاعهم ونمط عيشهم في مدينة بايلين حيث تحولوا إلى عصابات تتاجر بالمخدرات والأسلحة والعملة وسط أهالٍ يخشون غضبهم وانتقامهم. ادّعى أنه عالم أحياء يبحث عن حيوان مهدد بالانقراض واستطاع أن يعرف من الناجين من الموت والناجين من العقاب حقائق مؤلمة جعلته يتساءل عن الحد الفاصل بين الخير والشر، وقد صار أهم مساعدي بول بوت مدافعا عن حقوق الإنسان في كمبوديا. كل ذلك دوّنه في كتاب ممتع بعنوان “الناجون من العقاب”.

في بلاد الدكتاتورية الوراثية

جان لوك كواتاليم هو رئيس تحرير مساعد بمجلة “جيو” المتخصصة في استكشاف أصقاع الأرض ومميزات طبيعتها وطبائع أهلها ومعالمهم الفريدة، وقد أصدر في هذا المجال عدة كتب قيمة حظيت بجوائز. آخر إصدار له “مكرونة باردة في بيونغ يانغ” عاصمة كوريا الشمالية، وهو استطلاع عن الحياة في تلك البلاد المنغلقة، قام به في ربيع 2011 في إهاب خبير سياحي، تحت رقابة رسمية تلازم تنقلاته وتوجهه حيث تريده أن يتوجه، حتى لا يكشف من أمر هذا البلد إلا ما تبثه وسائل الإعلام الرسمية. لم يسمح له بلقاء الناس لسؤالهم عن أوضاعهم وعيشهم في ظل دكتاتورية وراثية من أعتى دكتاتوريات العالم، فاكتفى بالحديث عن الطبيعة والثقافة والأطعمة والعادات وبعض المعالم التي تزين الساحات العامة ووصف المدن والشوارع وخضوعِ السكان خضوعَ جنود ليس لهم إلا السمع والطاعة.

الارتحال والكتابة

هي رحلة عجيبة من ميناء سان مالو على ضفاف بحر المانش إلى باماكو عاصمة مالي. وأعجب ما فيها أن الرحالة الفرنسي مارك روجي يزعم أنه قطع المسافة، عبر إسبانيا والمغرب والسنغال، على ظهر حمار. وغايته من السفر ليست اكتشاف المعالم والطبيعة وأهلها، بقدر ما هي وسيلة للتعارف والإنصات والتدوين، لأنه يربط السفر بالكتابة، ويعتبر أن المشي خطوة خطوة، ولو على ظهر حمار، يشبه إلى حد بعيد كتابة النص كلمة كلمة، وأن النظر باتجاه الأفق الذي يلوح للمسافر يشبه نظر الكاتب إلى الصفحة البيضاء، كلاهما يمضي قدما، واضعا بينه وبين المركز دوائر ترجعها الأصداء، مثل حجر يدفع الماء حينما يهوي في غدير أو بحيرة. الكتاب بعنوان “الهاجرة” صاغه صاحبه بلغة صافية وسرد سلس يجمع بين الطرافة والوصف الذكي والتأمل.

ركوب البحر


“في البحر” هي باكورة أعمال الكاتب الهولندي طوان هيجمان الروائية، فقد عرف عنه حتى الآن ولعه بالريبورتاج. صدرت منذ أشهر عن منشورات كريستيان بورغوان بباريس، وتروي سيرة رجل دائم التردد، عاجز عن أخذ القرار المناسب، لم يفلح حتى في حياته الزوجية، وعاش حياة رتيبة مليئة بالانكسارات والهزائم.

ذات يوم يقرر أن يتحدى نفسه والناس، فيركب البحر باتجاه الدانمارك، صحبة طفلته ذات الأعوام السبعة، ليثبت لنفسه أولا ولابنته ثانيا أنه رجل لا يقل شجاعة عن سواه، ولكن عاصفة هوجاء سوف تعبث بمركبه فيفقد وسط هياجها ابنتَه، فيسعى في البحث عنها لإنقاذها، في سرد متوتر مليء بالتشويق والإثارة.

ينتظر أن تتحول هذه الرواية التي فازت بجائزة ميدسيس 2013 إلى عمل سينمائي.

الغرانيق المتوحشة

عن دار “الكلمة والبقية” صدر للكاتب الأيرلندي كنيث وايت كتاب جديد عنوانه “الغرانيق المتوحشة” يجمع بين أدب الرحلة والشعر، أراده صاحبه غريب الأطوار، مترعا بالصور والأفكار المراوغة، على غرار الهايكو، تكريما للأشياء الثمينة والزائلة في الآن نفسه، كما يقول. من خلال تنقله عبر أرياف اليابان وجباله وجزره، يحاول وايت أن ينأى بنفسه عن صخب العالم وضحالة الراهن، ويلوذ بالسفر والشعر، مثل باشو مبتكر الهايكو، الذي ضرب في الأرض لتهدئة “قلق عميق لا تقدر أية ديانة على تسكينه” ثم وجد السكينة في تأليف “كتاب المسلك والريح” الذي غيّر مجرى الشعر الياباني برمّته. أو يلتقط صورا من بهاء هذا العالم، مثل الفنان هيروشيغه صاحب الرسوم النافرة الذي يحب المشي تحت المطر، يستلهم من الطبيعة في كامل فصول العام أضواءها وألوانها وأصواتها.

مشاء لا رحالة

السويسري دانييل دو روليه يجد في المشي وسيلة للتأمل والتذكر، تأمّل ما يصادفه في طريقه من معالم ذات تاريخ عريق، وتذكّر سير أعلام مرّوا من قبله على المسالك التي يمرّ منها، متنقلا من مدينة إلى ريف، ومن ريف إلى مرتفع، وحيدا كما يدل عليه عنوان كتابه الجديد “وحدي قليلا” الذي يدوّن فيه رحلاته وما استقرّ حولها من أفكار تغذيها التجربة والذاكرة. ودو روليه يرفض تسمية “الكاتب المسافر” ولا يعتبر نفسه متجولا، بل مشّاء. فـ”الأول ينام في البيت، فيما الثاني غالبا ما يغير سريره، والأول مقيم، أما الثاني فهو دائم التنقل، ولا يكتب أبدا على نفس الطاولة.” على حدّ قوله. كتاب يجمع بين أدب الرحلة والتأمل الفلسفي واللحظة التاريخية، والنظر في قضايا العالم والذات.

13