كتب صوتية

لا شك أن هذه المبادرة التي قام بها مركز الشباب العربي في أبوظبي طيبة النوايا وطموحة المرامي، لكن من يعادي الكتاب لا يطيق فتحه ورقيا ولا صوتيا وسوف يتجه نحو "كتب من نوع آخر".
الثلاثاء 2021/02/23
الاستفادة من الوقت المهدور عبر الاستماع إلى قراءات

يعكف مركز الشباب العربي في أبوظبي على تطوير برنامج للتدريب على إنتاج الكتب الصوتية، فيما دشن مكتبته الرقمية المجانية بالتعاون مع “منصة الراوي” البحرينية المتخصصة بإنتاج الكتب الرقمية الصوتية. يطرح هذا الخبر تساؤلا مربكا: هل دخلنا عصر الكتاب المسموع أم، بالأحرى، عدنا إليه نحن معشر العرب الذين يعج تراثهم بكل ما هو شفهي ومسموع؟ أما في الغرب فإن ظهور الكتاب الصوتي لأول مرة كان لصالح فاقدي البصر عام 1931، وذلك مع قرار المؤسسة الأميركية للمكفوفين ومكتبة الكونغرس بإنشاء مشروع “كتب للمكفوفين” ثم أصبحت هذه التقنية متاحة في السنوات الأخيرة الماضية لجميع أفراد المجتمع الساعين إلى الاستزادة من وسائل التعلم والثقافة المتاحة.

صار بإمكان الناس الاستفادة من الوقت المهدور عبر الاستماع إلى قراءات، وبجميع اللغات، إلى كتب في مختلف المجالات عبر هواتفهم المحمولة أثناء القيادة أو ممارسة الرياضة أو التسوق أو في أوقات الانتظار والقيام بالأعمال المنزلية وغيرها. هذا بالإضافة إلى أهمية الكتاب الصوتي وفاعليته في مساعدة كبار السن وفاقدي البصر، وممن يشكون من الوحدة فيؤنس عزلتهم ويشعرهم بأنهم مع جليس غير نمّام ولا ثرثار.

إلى هنا تبدو هذه التقنية عالية الإفادة والاستفادة من الأوقات المسفوحة، لكن ماذا عن مصير الكتابة ومستقبلها، وهل ستعوض الكلمة المسموعة والمنطوقة نظيرتها المكتوبة والمقروءة؟ هل ينذر الأمر بنشوء جيل من الأميين، ويغدو الكتاب الورقي شيئا من الماضي السحيق فتندثر معه فنون وحرف وصناعات؟ الذاكرة السمعية مكرّمة ومكرسة في الثقافة العربية أكثر من نظيرتها البصرية ثم تأتي تقنية الكتاب الصوتي لتعززها أكثر، هذا بالإضافة إلى ما تضيفه من عزلة فوق عزلة، فترى هذا الصنف الجديد من مستهلكي الكتاب المسموع شاخص العيون، قد يضحك إلى حد القهقهة إن كان يستمع إلى كتاب ساخر أو يتأثر إلى حد ذرف الدموع مع رواية تراجيدية.. ولست أدري كيف ستكون ردة فعله إن كان يستمع إلى قصص ساخنة ومثيرة.

مهلا.. أراني قد تماديت في تخيل أمة تقرأ بنهم وتعشق الكتاب بمختلف أجناسه وصنوفه، وتناسيت أن أغلبنا لا يقرأ إلا الفواتير.

لا شك أن هذه المبادرة التي قام بها مركز الشباب العربي في أبوظبي طيبة النوايا وطموحة المرامي، لكن من يعادي الكتاب لا يطيق فتحه ورقيا ولا صوتيا وسوف يتجه نحو “كتب من نوع آخر”. أما الذين سيعملون في التسجيلات الصوتية فسيضطرون إلى انتقاء ما يطلبه الجمهور ويعمدون إلى طرح مصنفات ترضي الذائقة الأوسع فترى الواحد من هؤلاء يعود من عمله مصدّع الرأس وقد أمضى الساعات في قراءة السخيف والسطحي والمبتذل مما ألفه “المؤلفون”.

24