كتب في التنصل

الثلاثاء 2017/06/20

تجلس في المقهى تنتظر صديقا. لم تحضر معك كتابا ولم تشتر حتى جريدة فتضطر إلى أن تزجي وقت الانتظار بالتطلع في الناس ومراعاة شؤونهم. الحكمة تقول إن عليك الاهتمام بشأنك فقط وإن تدع الخلق للخالق، لكنك تهتم بشأن الرائح والجائي وشأن البشرية والنبات والحيوان وشأن كل شيء سوى شأنك. لدى الانتظار والصمت ترتد إلى عروبتك الأصيلة بالتحديق في الوجوه. الأوروبيون في أيديهم كتب يدفنون رؤوسهم فيها في كل مكان: في المواصلات العامة وفي الرحلات وفي المقاهي. نحن نحب التطلع في الوجوه ونحاول أن نستشف علاقات القرابة في الأسرة الجالسة عند الطاولة المجاورة مثلا. ونحب أن نتكهن بمسارات العلاقات العائلية في من نراهم، نتخيّل كل شيء عنهم.

وأخيرا يصل الصديق متأخرا ثلاثة أرباع الساعة، وبدل أن يعتذر أو حتى يلقي التحية، تكون أولى كلماته “حادث سيارة في الدوار الذي فيه الصيدليات، تعال تفرج. السير واقف تماما. بالكاد وصلت. زحمة زحمة”. هذا هو عنوان الخبر. بعده يمضي ذاكرا التفاصيل. تلاحظ أنه يستخدم ستمئة كلمة ليس بينها كلمة “آسف”. مئات الكلمات تتدفق شرحا وتصوير مشاهد أبطالها سائقو سيارات وأطفال يصرخون ورجال شرطة غاضبون وكل شيء. تدرك حينها أنك لن تحصل على اعتذار أبدا. بعد ذاك تنخرطان في حديث عن اقتراحات لتحسين حالة المرور في الدوار الذي به صيدليات.

الحكاية وما فيها أن الصديق يريد أن يرمي اللوم على السائقين والناس والزحام بل والدوار نفسه وقواعد المرور. الكل مذنب إلا هو. والاعتذار اعتراف ضمني بالذنب ويسيء إلى الشرف ويلطخ سمعة الأسرة، والموت ولا العار. ما يفعله هذا الصديق ليس خاصا به. هذا تقليد عربي قديم. حتى في مرامي الأدب وغاياته هناك باب اسمه “التنصل”، فيه أشعار وبلاغة وحكايات. لا يوجد باب الاعتذار هو التنصل ولا شيء سواه. هذا الصديق استخدم ستمئة كلمة ولكن هناك من يستخدم مئة وخمسين ألفا إلى ربع مليون كلمة للتنصل.

كتب المذكرات السياسية التي ينشرها السياسيون والمسؤولون بعد تقاعدهم موضوعة للتنصل ولا شيء سواه. هذا طبعا إذا ظلوا طليقين وأحياء بعد عزلهم من مواقعهم. في حياتي كلها اشتريت كتاب مذكرات سياسية مرة واحدة فقط. قرأته ولم أشتر بعد ذاك الكتاب أي شيء يتعلق بمذكرات أي سياسي، فهمت أن هذه كتب غايتها التنصل وتحميل مسؤولية المصائب لآخرين. إذا كان ثمة ذنب فقد اقترفه آخرون. الكل مذنب إلا أنت. تدوس على قدم أحد فتقول له لماذا وضعت قدمك تحت رجلي. عشت طويلا وحياتي مترعة بالأحداث والناس ولم أسمع “آسف” سوى خمس مرات.

24