كتب ليست للقراءة

يبدو محزنا أن تحرص كل المكتبات الكبرى، بشكل منتظم، على تخفيف رفوفها، عبر إزالة الكتب التي تفقد وهجها أو التي تتدنى وتيرةُ طلبها من طرف القراء.
السبت 2018/08/11
الكتب كائنات حية بامتياز

قبل سنوات، واظب الصحافي والشاعر المغربي رشيد نيني على نشر ركن أسبوعي بإحدى الصحف المغربية، خاص بالكتب التي لا يجب قراءتها. ولعل ذلك كان يعكس جرأة أكسبتْ رشيد نيني الكثير من الأعداء من بيت الكُتاب الذين كان ورود أسمائهم وعناوين كتبهم الجديدة في ركن مقروء جدا يوقع على نهايتهم المبكرة.

إنها أيضا جرأة صرنا نفتقدها في ظل اعتزال الأعمال النقدية أو عدم قدرتها على متابعة الحجم الكبير من الإصدارات الجديدة، وهي الأعمال التي من المفترض أن تشكل المصفاة التي تحول دون مرور الكتب التي لا علاقة لها بالإبداع. والحقيقة أنه مع تزايد الإنتاج، يبدو طبيعيا أن يتزايد معه فيضان الكتب التي تفتقد إلى الحدود الدنيا من شروط الكتابة.

إنها الكتب التي تصلح لكل شيء إلا للقراءة، ومنها الكتب التي تُطبع فقط لكي تضخم عناوينُها سيرَ أصحابها، ومنها الكتب التي تُرعب أغلفتُها القارئَ، ومنها الكتب المطبوعة بشكل باذخ دون أن يستطيع ذلك إخفاء فقرها الإبداعي،  ومنها الكتب التي لا تترك أي انطباع جيد أو سيء كما لو أنها لم تصدر أبدا.

والغالب أن هذا الوضع هو امتداد لعوامل ثلاثة على الأقل؛ أولها يرتبط باعتزال النقد، وهو ما يفتح الطريق أمام حيرة ذائقة القارئ ومعها ذائقة الكاتب نفسه، أما العامل الثاني فيرتبط بغياب الناشر المحترف الذي يستطيع أن ينتبه إلى الأعمال الجيدة والاستثنائية وأكثر من ذلك، أن يبحث عنها.

فيما يرتبط العامل الأخير بسيادة النشر على نفقة المؤلف كقناة أساسية للنشر، وهي طريقة تحرم الكِتاب من فرصة المرور الطبيعي عبر حلقة أساسية على مستوى النشر وهي حلقة القراءة من طرف لجان دور النشر.

ولأن الكتب تبدو ككائنات حية بامتياز، فمنها ما يولد محاطا بالنسيان، وقد يحظى بعد عقود أو قرون بالاهتمام الذي يليق به، كما هو حال عودة نصوص الرحلات العربية، التي يفتح اكتشافُها البابَ لإعادة تمثلنا للآخر. بل إن عودة الحياة لبعض الأعمال قد تفتح الطريق أحيانا أمام إعادة تاريخ الكتابة داخل بلد ما. وذلك كما حدث، على سبيل المثال، من خلال إعادة اكتشاف رواية “الزاوية” للكاتب المغربي التهامي الوزاني، مع ما رافق ذلك من إعادة تدوين بدايات الكتابة الروائية بالبلد.

مقابل ذلك، ثمة كتب تولد كبيرة لكي تصلها الشيخوخة. ولذلك يبدو محزنا أن تحرص  كل المكتبات الكبرى، بشكل منتظم، على تخفيف رفوفها، عبر إزالة الكتب التي تفقد وهجها أو التي تتدنى وتيرةُ طلبها من طرف القراء. وإذا كانت العملية تتم وفق معايير مهنية واضحة، فإنها أيضا قد تنهي، على المستوى الرمزي، حياةَ الكثير من الكتب، بمعزل عن قيمتها الإبداعية أو المعرفية.

15