كتب مسرطنة

السبت 2017/11/04

تنتشر في العديد من المكتبات، والأكشاك، وساحات الكتب في المدن العربية عشرات الكتب الظلامية التي تروّج للشعوذة والسحر والتنجيم والأحراز والطلاسم والغيب والكرامات والخوارق وأخبار الجن وثقافة الموت… إلخ، إضافة إلى الكتب التي تحمل خطابات دينية متطرفة وفاشية تدعو إلى ممارسة الإرهاب والتكفير والتعصب ورفض الآخر وكراهية الأجانب، وقتل أصحاب الديانات الأخرى وسلب أموالهم واستحلال نسائهم واتخاذهم عبيدا! وهي في الأغلب كتب تصدرها دور نشر متطفلة على صناعة الكتاب وعالم النشر، من دون رقابة، وبعضها لها حضور أيضا في المكتبات الحكومية العامة، ومعارض الكتب الدولية التي تقام في العواصم العربية، وتباع بأسعار زهيدة.

مع نمو ظاهرة التطرف الديني في عالمنا العربي خلال السنوات الأخيرة ازداد عدد طبعات كتب الضلالة الصفراء، وصارت تدر ربحا وفيرا لناشريها وموزعيها، ومن بين هذه الكتب، تمثيلا لا حصرا “بغية الطالب في معرفة الضمير للمطلوب والطالب والمغلوب والغالب” المعروف بكتاب أبي معشر الفلكي، و”الجفر الجامع والنور اللامع” المنسوب زورا إلى الخليفة علي بن أبي طالب، و”شمس المعارف” لأحمد بن علي البوني، و”الرحمة في الطب والحكمة” المنسوب إلى السيوطي (ذكر حاجي خليفة في كتابه “كشف الظنون” أن الكتاب للشيخ مهدي بن إبراهيم الصبيري)، وهو يحتوي على خزعبلات، وقل ما شئت من الطلاسم والجهالات. وقد وصف أحد علماء الدين مؤلفه بالجهل والبله والغباء والجنون.

وكذلك كتب عبدالفتاح السيد عبده المطوخي عن السحر والشعوذة، مثل “اللؤلؤ والمرجان في تسخير ملوك الجان”، “تسخير الشياطين في وصال العاشقين”، “تسخير الجان لمنفعة الإنسان”، “مرشد الإنسان إلى رؤية الجان”، “سحر الكهان في حضور الجان”، “إغاثة المظلوم في كشف أسرار العلوم”، “السر المكشوف في طب الحروف”، “شفاء العليل وتسهيل العسير في أسرار مزامير داوود”، “القواعد الفلكية في عمل النتائج السنوية”، “البيان في علم الكتشينة والفنجان”… إلخ، وكتاب “إعداد القادة الفوارس بهجـر فسـاد المدارس” لأبي محمد المقدسـي (عاصم بن محمد بن طاهر البرقاوي)، وفيه يقدم الكاتب تعبئة نفسية وعقلية جلية وتفصيلية ضد المؤسسات التعليمية، ويدعو صراحة إلى اعتزال المدارس، ويفضّل ترك الوظائف الحكومية.

ويشير أحد الكتاب، استنادا إلى إحصائية أخذها من مكتبة عامة، إلى أن عدد القراء الذين استعاروا هذا الكتاب الجائر لا يقل عن 17626 قارئا! وكتاب “التربية الجهادية” لمؤلفه عبدالعزيز بن ناصر الجليل، وهو من أكثر الكتب وقاحة في تحريض المتطرفين من أمثاله على استخدام العنف، وكل أشكال الإرهاب في مواجهة من لا يشاركهم في أفكارهم المريضة، ورؤيتهم المعادية للحياة والإنسان، وكتاب “عذاب القبر”، وكتاب “تلبيس إبليس” المليئين بفرضيات تتنافى مع العقل والمنطق والعلم. والغريب أن مؤلفيهما يسردان فيهما قصصا وكأنهما ماتا واختبرا الأهوال ثم عادا ليخبرانا بتفاصيلها!

إن السماح بعرض هذه الأنواع من الكتب الظلامية وبيعها في الفضاءات التي أشرنا إليها يمنح، من دون شك، شرعيةً للثقافة المنحطة، أو يروج لها، أو يسهّل وصولها إلى عقول القراء غير المحصنين بثقافة علمية ودينية متنورة، وجلهم من الشبان الذين قصّر المجتمع والمؤسسات التعليمية في تثقيفهم فبات شحنهم بثقافة الخرافة والعنف والكراهية أمرا ميسورا.

لذا بات من الضروري أن تؤدي أجهزة الرقابة التابعة لوزارات الثقافة والإعلام العربية، واتحاد الناشرين العرب، والمنابر الإعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة، والمؤسسات التربوية، ومنظمات المجتمع المدني، دورها التنويري في تحذير الشباب من اقتناء مثل هذه الكتب المسرطنة ومطالعتها، وكشف مساوئها وتقاطعها مع العقل والدين وثقافة العصر، والتصدي لمروجيها، أفرادا ومكتبات وناشرين غير مرخصين. كما أن على المسؤولين عن معارض الكتب التي تقام في جميع الدول العربية مصادرتها، ومنع أي ناشر يعرضها في جناحه من المشاركة.

كاتب عراقي

14