كتب ممنوعة من النشر.. الورثة يحجرون على الإبداع

منع أعمال الأدباء بعد رحيلهم انتقام شخصي وإخفاء للأسرار.
السبت 2020/07/04
المنع بعد الموت يشبه الجريمة (لوحة للفنان عمار النحاس)

تكررت في الآونة الأخيرة حالات حظر نشر أعمال سابقة لكتاب كبار بواسطة ورثتهم، تحت باب الدفاع عن مصلحة العائلة. وبدا الأمر كحق قانوني مكتسب لبعض ورثة المبدعين الذين اختلفوا مع أعمال ذويهم خلال حياتهم، وعندما رحلوا وانتقل إليهم حق إعادة نشر تلك الأعمال، أوقفوها إلى الأبد.

مصادفة عابرة قادتني إلى الظاهرة التي تكررت من عائلات الكتاب والمبدعين. فقبل أسابيع طلب مني مثقف عراقي صديق يقيم بالقاهرة مساعدته في الحصول على كتاب “أوراق العمر” الذي حكى فيه المفكر المصري الراحل لويس عوض سيرته، وصدر عام 1989 عن دار “مدبولي” للنشر، ولقي رواجا واسعا لتميزه بالصراحة الشديدة في ما يخص الحديث عن عائلته وأشقائه.

الغريب أنني لم أجد طبعات جديدة للكتاب، فلجأت إلى سوق الكتب القديمة في القاهرة المعروف بسور الأزبكية، لأكتشف أن هذا المؤلف من الكتب النادرة، ونسخته القديمة تباع بثلاثمئة جنيه (نحو عشرين دولارا) بسبب ندرته.

عوض وعليش

ترجع الندرة لمنع نشر الكتاب بواسطة ورثة لويس عوض بعد وفاته سنة 1990، وحتى الآن، وكان الدكتور رمسيس عوض، شقيق المؤلف، رفض إعادة نشر الكتاب مرة أخرى لأنه تضمن تعريضا به، إذ كتب عنه أنه “أصاب بعض الشهرة بين المثقفين بوصفه باحثا جادا في الأدب، وكان ذكاؤه فوق المتوسط، لكن لا حدة فيه ولا إبداع”.

وقال عنه بصراحة “لقد كان يغار مني لشعوره بأنه مهما حاول فلن يصيب ربع ما أصبته من تأثير في المثقفين وفي الرأي العام، سواء بالقبول أو الرفض، ليس في مصر وحدها ولكن على مستوى العالم العربي”.

لم يقتصر رفض رمسيس عوض، على إعادة نشر سيرة شقيقه فقط، وإنما امتد الأمر إلى باقي أعماله الأدبية والفكرية، ما دفع البعض إلى اعتبار الأمر ينطوي على انتقام شخصي من كاتب لشقيقه الأكبر الذي أساء إليه على الملأ، خاصة أن الكثير من دور النشر المصرية والعربية عرضت مبالغ كبيرة مقابل إعادة النشر، لكنه أصر على الرفض حتى لحق بشقيقه في نوفمبر 2018.

إذا كان البعض يرفض إعادة نشر أعمال ذويهم الراحلين أو بعضها انطلاقا من اختلافهم الشخصي مع تلك الأعمال وأصحابها، أو تصورهم أنها تسيء لسمعة العائلة أو لهم شخصيا، فإن هناك آخرين يتصورون أن الحكمة تقتضي تصحيح خطايا المؤلف كأوصياء على تراثه، وأن إعادة نشر أعمال أثارت وقت نشرها ردود أفعال صاخبة، ستكون مسيئة للمؤلف الراحل، وواجبهم يقتضي إيثار السلامة وراحة البال.

لا يقتصر الأمر على سيرة لويس عوض، إنما امتد إلى أعمال مهمة لكتاب ومبدعين آخرين، فتكرر الأمر مثلا مع الروائي المصري رجاء عليش الذي انتحر في سنة 1979 بإطلاق رصاصة على رأسه في سيارته، وترك عملين لافتين هما رواية “كلهم أعدائي” ومجموعة قصصية بعنوان “لا تولد قبيحا”.

سيرة المفكر المصري الراحل لويس عوض
سيرة المفكر المصري الراحل لويس عوض

يذكر الناقد خيري حسن، الذي حقق سيرة الأديب المنتحر، لـ”العرب”، أن اهتمام بعض وسائل التواصل الاجتماعي بقصة رجاء عليش دفع إحدى دور النشر الكبيرة إلى أن تعرض على أسرته إعادة نشر أعماله مرة أخرى، غير أن طلبها قوبل بالرفض الشديد، والتحذير من طرح أي عمل يحمل اسمه، كأنه عار يلاحق الأسرة.

ويقول حسن، إنه وجد حرجا شديدا من قبل أسرته في الحديث عنه أو عن موهبته، حتى أن بعضهم أنكر معرفته به أو بأي مما كتب، وفسر ذلك بفكرة غالبة لدى العائلات الكبيرة في المجتمعات العربية تعتبر الانتحار أمرا مشينا، ومن الأفضل تجاهل السيرة.

نموذج آخر للظاهرة تجسد في ورثة الكاتبة المصرية الراحلة أروى صالح، حيث رفضوا إعادة نشر كتاب “المبتسرون”، وأرّخت فيه أحلام الحركة الطلابية خلال فترة السبعينات بتغيير العالم.

ويوضح مُدير إحدى دور النشر المصرية، يعتذر عن نشر اسمه، لـ”العرب”، أن شقيقة الكاتبة الراحلة رفضت عدة طلبات لإعادة نشر الكتاب مرة أخرى لاختلافها الشخصي مع معظم ما جاء فيه من انتقاد للسلطة والمجتمع.

وأشار البعض من النقاد إلى أن الكتاب عبر عن نفسية مشوشة، ومحبطة، ومقبلة على الانتحار، وهو ما حدث بالفعل عندما ألقت الكاتبة بنفسها من الطابق العاشر في صيف 1997.

أكد الكاتب الصحافي محمد عبدالقدوس، نجل الأديب الراحل إحسان عبدالقدوس لـ”العرب”، أنه ليس من حق الورثة حظر أي عمل أدبي أو فني لكاتب ما حتى لو كانوا مختلفين معه.

يعد نجل الأديب الراحل من ذوي الميول الدينية ومعروف عنه الالتزام الديني، غير أنه لا يجد أن من حقه منع نشر أعمال والده، حتى لو كان مختلفا مع موضوعاتها.

وتحمي غالبية الدول الكتب لحياة مؤلفيها بالإضافة إلى 50 عامًا بعد وفاته نتيجة لالتزاماتها الدولية، بموجب اتفاق تريبس واتفاقية برن، وتمدد دول مثل البحرين والمغرب وسلطنة عمان حقوق الطبع والنشر لفترة أطول من البقية نتيجة لتوقيعها على اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة.

طبقا للقانون المصري، تبقى حقوق النشر قيد الحماية لمدة 50 عاما بعد رحيل المؤلف، وثمة توجه لتعديل القانون لمد الحقوق إلى سبعين عاما للتوافق حسب ما قاله الناشر شريف بكر مدير دار “العربي” للنشر.

ويلفت عصام حلمي، المحامي والخبير القانوني في حقوق الملكية الفكرية، لـ”العرب”، إلى أن القوانين الخاصة بالملكية الفكرية في معظم دول العالم لم تتعرض لحالات رفض ورثة بعض المبدعين إعادة نشر أعمالهم مرة أخرى.

وأضاف أن صلة المبدعين بمؤلفاتهم تنقطع بالوفاة، وتنتقل قانونا لورثتهم، وهم وحدهم أصحاب الحق في نشر أو عدم نشر ما صار مملوكا لهم.

البعض يرفض إعادة نشر أعمال ذويهم الراحلين انطلاقا من اختلافهم الشخصي مع تلك الأعمال وأصحابها
البعض يرفض إعادة نشر أعمال ذويهم الراحلين انطلاقا من اختلافهم الشخصي مع تلك الأعمال وأصحابها

قرصنة الكتب الممنوعة

تدفع الظاهرة قراصنة الكتب إلى نشر أعمال عديدة ممنوعة برغبة ذويهم، باعتبار ذلك المنع خير وسيلة للترويج لها، ولا يلتفت هؤلاء إلى الحقوق القانونية، لأنهم في الغالب يعملون بشكل مستمر على قرصنة الكتب ولا يوجد ما يزجرهم.

يوضح الناشر شريف بكر، لـ”العرب”، أن منع نشر الكتب هو أفضل دعاية للكتاب، خاصة في ظل وجود باعة عشوائيين لها.

ويرى البعض أن هناك أسبابا موضوعية تلزم بعض الورثة بحظر كتب بعينها، منها مثلا أن يكون المؤلف غير راغب في إعادة طبع كتاب له خلال حياته، فيؤثر الورثة الحفاظ على رغبته بعد وفاته، وقد لا يتأتى للمجتمع الثقافي التعرف عليها.

ويستدلون على ذلك بأن هناك كُتّابا حظروا إعادة نشر كتب لهم في حياتهم بسبب تغير مواقفهم الفكرية، فالكاتب المصري خالد محمد خالد رفض إعادة نشر كتابه “من هنا نبدأ”، كما فعل الراحل مصطفى محمود مع كتابه “الله والإنسان” لأنهم تراجعوا عن مضمون ما كتبوه.

وقد يصعب إعادة النشر لتعدد وكثرة الورثة وعدم اتفاقهم على شخص واحد مسؤول، وهنا قال محمد هاشم مدير دار “ميريت للنشر”، إن ذلك ظهر في التعامل مع ورثة بعض المبدعين، مثل الشاعر أحمد فؤاد نجم الذي أنجب فتاتين فقط، وهما وريثتاه الشرعيتان فضلا عن أشقائه وأبنائهم، ما جعل جمعهم للحصول على موافقتهم على إعادة طبع الأعمال السابقة عملية بالغة الصعوبة.

 وربما يكون رفض النشر خاص بالجهة العارضة (دار النشر)، وليس بالعمل الأدبي نفسه، حسب ما قالته الإعلامية أنس الوجود رضوان حرم الأديب المصري الراحل صبري موسى.

 وتشير لـ”العرب”، إلى أن بعض دور النشر الصغيرة تقدم عروضا لإعادة نشر أعمال أدباء كبار رحلوا دون أن تكون لديها وسائل تسويق ناجحة أو اهتمام بالطباعة أو شكل الغلاف، ما يدفع الورثة إلى رفض عروضها، وهو ما حدث معها شخصيا.

13