كتب يتيمة

السبت 2017/11/04

يصدر الكاتب عمله الأول، يسبقه فرح كبير بمولوده الجديد. ولأن عالم الكتابة لا يقدم أبدا شيكا على بياض لمرتاديه، فلا أحد يضمن مآل الكاتب. ثمة كتاب يستطيعون تطوير أفق تجربتهم متجاوزين، في كثير من الأحيان، عملهم الأول، يقودهم في ذلك تملكهم لعالم الإبداع ولأسراره الدفينة. وثمة آخرون يملكون القدرة على إغراق مشهد الكتابة بإصداراتهم التي لا تنتهي والتي لا يتجاوز أثرها تضخيم ببليوغرافيا أصحابها.

وثمة كتاب آخرون يحجمون عن الكتابة فور صدور كتابهم الأول، كما لو أن الكتابة تشكل بالنسبة إليهم فرضا ينتهي بأدائه، وبشكل أيضا يصير معه الكتاب الأول شهادة وفاة صاحبه.

وثمة أخيرا كتاب يرحلون مخلفين أعمالا يتيمة قد تغني، من حيث الأثر والقوة، عن عشرات الأعمال. إنهم يبدون، في غالب الأحيان، غير آبهين بالأمجاد التي قد يسعى إليها الآخرون. غير أنهم لا يطلقون الكتابة، بل يجعلون منها شكلا من أشكال الحياة، حتى لو كفروا بالكتابة وبجدواها. إنهم الكتاب الذين يغادرون مشهد الكتابة، باختيار منهم أو مرغمين.

لا يبدو الكتاب اليتيم ظاهرة جديدة، فأغلب التراث العربي الإبداعي وصلنا عبر أعمال فريدة، تملك القدرة على عبور الأزمنة. ولعل ديوان المتنبي أفضل نموذج دال على ذلك. أما الحالات الراحلة الراهنة فهي تطبع المشهد الأدبي الإنساني، مع احتفاظها بأسباب نزولها المتباينة.

ويمكن في هذا الإطار استحضار اسمين، على مستوى المغرب على الأقل، طبعا مشهد الكتابة بالبلد بعملين يشكلان معبرا ضروريا لأي قارئ أو ناقد للشعر المغربي. الأول هو الشاعر أحمد المجاطي، الذي خلف ديوانه “الفروسية”، الصادر في منتصف الثمانينات، وذلك بعد عقود عن دخوله مجال الكتابة الشعرية، وإن كان الشاعر قد اختار اختراق صمته الشعري بنشره لدراسته عن أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث. أما الثاني فهو محمد الخمار الكنوني، الذي أصدر عمله “رماد هسبريس”، الصادر في نفس سنة إصدار ديوان المجاطي، بحكم صدفة ما. شاعران كبيران اختارا اعتزال النشر تاركين المجال فسيحا لكثير من الشعراء الصغار.

قبل سنة، توفي الكاتب الأميركي هاربس لي. ولا يبدو الاسم غريبا عن كثير من المهتمين بالأدب البوليسي العالمي، رغم أن الإصدار الوحيد للرجل يعود إلى حوالي ستين سنة. ويتعلق الأمر بروايته “لا تطلقوا النار على العصفور المستهزئ”، التي تناولت بجرأة موضوع العنصرية في أميركا خلال ستينات القرن الماضي. وما زالت الرواية تراكم عددا من الجوائز والطبعات المتوالية.

في كثير من الأحيان، يبدو الكتاب اليتيم أكبر من هذا الوصف. إنه عمل يحجز مكانه باستحقاق داخل ذاكرة القارئ، أينما وجد ومتى وجد، في الوقت الذي تبدو فيه كثير من الأعمال أشبه بزحافات تقتات من أسماء أصحابها.

كاتب مغربي

16