كتـاب وكلاب

الاثنين 2014/05/05

من التداعيات غير المرغوب فيها أن تخيّم بين الكاتب وقارئه سحابة من سوء التفاهم، أي أن يقصد الكاتب شيئا وينحرف المعنى في ذهن القارئ إلى شيء آخر أفظع. وهذا أمر وارد في كل الأحوال ما دامت المسافة بين ما يراد قوله وما يقال تتسع وتضيق تبعا لدرجات التحكم في اللغة وسياقات التواصل. الكاتب الناجح هو من يصدم قارئه، شريطة وجود هذا القارئ أصلا، وألا تكون الصدمة مخططا لها بشكل فج وإثاري.

وتحضرني هنا ما خلفته تلك الصفة التي أطلقتها على القارئ في رواية "المنعطف" التي أصدرتها أواخر ثمانينات القرن الفائت، حيث نعته بالكلب، من ردود أفعال متفاوتة. ولا أحد منا يقبل أن ينعت بالكلب ولو كان أقل من الكلاب قيمة ورتبة. بعضهم مزق الرواية إربا على مسمع ومرأى، وبعضهم خبط بها الجدار، وبعضهم كتم الغيظ أو كشف عنه بمقدار، وما أكثر الملامات التي توصلت بها من الخصوم والأصدقاء على السواء.

ورغم أن الرواية لقيت ترحيبا نقديا يفوق قيمتها الحقيقية إلا أنني كنت أجد نفسي محرجا كلما طرح علي سؤال حول جواز “إهانة القارئ”، هذا الأخير الذي ينبغي مغازلته واستقطابه في وقت عز فيه القراء. وما التعريض به إلا رعونة وجب الاعتذار عنها أمام الأشهاد.

ها هنا وجدت نفسي، في موقف دفاع عن النفس، دون أن تخطر ببالي فكرة الاعتذار… وهل هناك من اعتذر عن “خطيئة” حتى أعتذر أنا عن كلمة “كلب” التي لا تعض كما قال هنري جيمس؟ ففي لحظة من اللحظات كان يخيل إلي أنني، في هذه الزلة، معزول وبلا سند، وحدهما رولان بارت وأمبرتو إيكو وقفا في صفي دون أن يدريا أو أدري. أي أنهما أهدياني حبل نجاة من شأنه أن ينقذني من ورطة “الكلام غير المفيد” وغير الموزون والمقفى. وكما يحدث الإلهام وجدت، يوما، وأنا أقرأ مقالة لصاحب “لذة النص”، عبارة مفادها أن القارئ الذكي هو من يمتلك حاسة شم كلبية يغو ص بها بعيدا في النصوص لتقرأ خفاياها.

وبعد ذلك بسنوات سأقرأ كلاما مشابها قاله صاحب “اسم الوردة”، معقبا على إحدى روايات سلمان رشدي اعتبر فيه أن في كتابات هذا الأخير أريجا لأفاويه وعطورا شرقية ثاوية في الدواخل، ووحده من له أنف كلبيّ بوسعه تنسّم عبقها الجليل. أمام هذا المخرج المشرّف الذي ساقته لي المصادفات صرت أستدرج قرائي القلائل، الذين نسوا حكاية “المنعطف” والكلاب، لكي يسألوني عن مقاصدي من استفزازهم حتى أستفيض في ذكر مزايا القراء الكلاب… لكن لا أحد بات يسألني عن الرواية ولا عن الكلاب سواء بسواء.


كاتب من المغرب

15