كتّاب السرد قادرون على التجريب أكثر من كتّاب الشعر

الكاتبة والروائية العُمانية ليلى عبدالله: الجوائز لا تصنع كاتبا لكنها قد تسوّق لأعماله الأدبية.
الخميس 2018/11/15
أميل لروايات أبطالها أطفال

تُعَدّ الكاتبة والروائية العُمانية الشابة ليلى عبدالله، المقيمة في دولة الإمارات العربية المتحدة، من الأصوات الأدبية المميزة بين مجايليها من الكاتبات في سلطنة عُمان ومنطقة الخليج العربي. ولعل أهم ما يميزها هو تنوع كتاباتها الإبداعية، حيث صدرت لها عدّة مؤلفات في القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً والمقالة الأدبية والنقد وأدب الرسائل والكتابة للأطفال؛ وها هي تقتحم اليوم عوالم الرواية بعملها الموسوم بـ«دفاتر فارهو». “العرب” كان لها هذا الحوار معها.

تقدّم ليلى عبدالله باكورة أعمالها الروائية بعنوان «دفاتر فارهو» قائلة “إن ‘فارهو’ هو من يقدم نفسه للقارئ العربي، الحكاية حكايته وما أنا سوى حكاءة مبطنة في دفاتره”.

وفي الرواية يفرد “فارهو”، وقد بلغ الثالثة والأربعين من عمره، دفاتره السوداء في السجن أمامَ صحافي أميركي يرغب في تحويل حياته الغريبة إلى فيلم وثائقي. الصبي الصومالي الذي فرَّ مع أمّه وأخته من اضطرابات الحرب الأهلية وأزمة المجاعات في وطنه بوصاصو، بمساعدة خالهم الإثيوبي المقيم في إحدى دول الخليج؛ هو نفسه الصبي الذي يقع ضحية عصابة أفريقية تتاجر بالأعضاء البشرية بزعامة خاله.

“فارح” هو ما أصبح عليه الصبي الذي سيعيشُ حياة اللجوء في بلدٍ غير بلده، مصيرٌ مشترك مع الكثير من الوافدين العرب وغير العرب في دول الخليج، حيثُ أسئلة الاندماج ومصاعب العمل وتحصيل قوت العيش، في ظلِّ غلائه، وبوسائل غير مشروعة غالبا.

رحلة الكتابة

بسؤال ليلى عبدالله عن الذي شحذ فيها هذه القدرة على الكتابة عن أطفال الحروب والمنافي، وعن غربتهم عن وطنهم الفائض بالأسلحة وتشرُّدهم في أوطان غريبة، تجيبنا الكاتبة “ما شحذ ذاكرتي على الكتابة للأطفال، هو أنَ ذاكرتي متقدة على الدوام بعوالم الصغار، فأنا أنتمي لأسرة كبيرة كثيرة الأطفال، وعملت سابقا معلمة للأطفال، أقابل الأطفال كلّ يوم، ألتقيهم في كلّ مكان، لذا مسألة الكتابة عنهم حتمية بالنسبة إلي، لأفرغ طفولتي أيضاً”.

تضيف عبدالله “أميل شخصيّاً لروايات أبطالها أطفال لا سيّما الروايات الأفريقية، فالطفل الأفريقي محمّل بثقافات هائلة ومدهشة ومجهولة بالنسبة إلينا، وقد أردت لفت نظر العالم نحو قدراته وطموحاته وآماله، نحو بيئة طبيعية وصحية يحتاجها بعيدا عن أطماع الكبار وقسوة حيواتهم بالأسلحة والأطماع، أعتقد أن فضولي النزق هو وراء ‘دفاتر فارهو’ وطابعي الطفولي أيضاً في التعاطي مع موجودات الحياة”.

ونسألها عن كيفية تعاملها مع رقيبها الداخلي أثناء الكتابة، فتقول ضاحكة  لقد قصصت جناحيه كي لا يتطفّل على مخيلتي”.

السينما والمسرح والدراما لا تستقي مادتها سوى من الأدب، وهذه الصلة خلابة وتخلق نموذجا عذبا وثريا بين هذه الفنون

بدأت صاحبة «صمت كالعبث» مشوارها الأدبي كقاصّة هذا ما دفعنا للتطرق معها إلى ما حفزّها للتوجه إلى السرد الروائي، إذ تلفت إلى أنه منذ أوّل نصّ قصصي لها شجعها الجميع على كتابة الرواية خاصة وأن بعض قصصها كانت مناسبة للتوسع فيها كرواية أكثر من كونها قصة قصيرة.

تقول عبدالله “كتبت الرواية بعد ثلاث مجموعات قصصية، وكتب أخرى في مجالات سردية مختلفة، بداية أردت أن أثبت لنفسي أني قاصة أيضاً، ونهاية أردت أيضا أن أخوض كتابة الرواية وأنا أمتلك أدواتي، ولدي من النضج السردي والخبرات ما يؤهلني لكتابة عمل أقتنع به كي أقدمه للقارئ على هيئة رواية”.

وجوابا على سؤالنا حول أبرز الكتّاب الذين ساهموا في تشكيل مرجعيتها؟ تقول عبدالله “لا أسماء معينة لديّ، القارئ لا يمكن أن يعطي أسماء، ففي كلّ مرحلة من مراحله القرائية هناك أسماء، أسماء لا حدود لها تشكّل كيانه وتصنع مخيلته إنها عبارة عن تاريخ طويل من التراكمات القرائية حيث يمتزج ويتجاذب ويختلط ويتحلل كلّ شيء ليبدو كما لو أنه قالب واحد غير أنه ليس كذلك! القارئ كائن غزير، أتحدث هنا عن القارئ الذي يقرأ كلّ يوم، القارئ يتوارى في صفحات الكتب بعيداً عن الأسماء التي يقترحها”.

صدر لضيفتنا من المجموعات القصصية «صمت كالعبث»، و«قلبها التاسع»، و«كائناتي السردية»، وكتاب في أدب الرسائل بعنوان «رسائل حب مفترضة بين هنري ميللر وأناييس نن”، وكتاب في سيرة الكتب والقراءة عنوانه «أريكة وكتاب وكوب من القهوة». وفي المقالات صدر لها «هواجس غرفة العالم»، ولها دراسة نقدية بعنوان «أدب الطفل في دولة الإمارات». نسألها أياًّ من هذه الكتب هو الأحب إليها، ولماذا؟ فتجيب “كتابي الأحب إلي هو الكتاب الذي لم أكتبه بعد، كما تقول الأديبة السورية غادة السمّان. بالنسبة إلي لكلّ كتاب خصوصيته عند الكاتب، لكلّ كتاب مرحلته ومكانته وهواجسه أيضاً”.

وعن رأيها بالتجريب في الأدب، من خلال تجربتها الذاتية، تقر الكاتبة أنها تعشق التجريب في الأدب. وتحب الكاتب الذي يغامر، والذي يطل علينا في كلّ مرة بتجربة جديدة ومختلفة ولا تشبهه وتكشف بواطن خياله وقدراته الإبداعية، ففي رأيها، كتّاب السرد قادرون على ذلك ربما أكثر من كتّاب الشعر، للشعر خصوصيته وحميميته وهي دائماً تنظر إلى الشاعر ككائن هلامي يختفي حين يسمو دفقه الشعري، لكن السرد عوالم متداخلة وأكثر تعميماً. السارد كائن حاضر بقوة عبر خيالات عوالمه الساحرة.

الكاتبة حكاءة مبطنة في دفاتر فارهو
الكاتبة حكاءة مبطنة في دفاتر فارهو

الكتابة والفنون والجوائز

حوارنا مع الأديبة العُمانية الشابة أخذنا لسؤالها عن نظرتها إلى ترابط العلاقة بين الأدب والفنون الأخرى كالموسيقى والسينما، وأثر ذلك في تكوينها؟ إذ ترى أن السينما والمسرح والدراما لا تستقي مادتها سوى من الأدب، وهذه الصلة خلابة وتخلق نموذجا عذبا وثريّا بين هذه الفنون شاملة. وتعجبها مشاهدة الأفلام المقتبسة من الروايات، فعملية تحويل الحكاية الورقية المتخيلة إلى الشاشة أمر تراه مثيرا لا سيّما في رسوم الأطفال، فكم من روايات عالمية بقيت متأرجحة في ذاكرة الطفولة كـ”أليس في بلاد العجائب”، و”حكاية السندباد”، و”صاحب الظل الطويل”، وغيرها من الحكايات العالمية.

كتاب ليلى عبدالله «هواجس غرفة العالم» نال عام 2015 جائزة “الإبداع الثقافي”، التي تمنحها وزارة الثقافة العُمانية، عن أفضل إصدار في فئة المقالات، كما نال كتابها «كائناتي السردية» نفس الجائزة عام 2017 عن أفضل إصدار في فئة القصة، وعن رأيها بالجوائز الأدبية، وهل تراها تساهم في صناعة الكتّاب وتطوير تجاربهم والترويج لأسمائهم، تجيب الكاتبة “الجوائز لا تصنع كاتبا، لكنها قد تسوق عمله المتوج بجائزة ما، لا سيّما حين تكون الجائزة عربية أو عالمية أكثر من كونها محلية.

 مثلاً جائزة ‘البوكر’ بمجرد تأهيل أي عمل لقائمتها الطويلة تشرّع لكاتبه آفاقاً من الشهرة والدعوات لفعاليات أدبية، ويكون ضيفا دائما بل يكاد أن يكون اسماً ووجهاً وحضوراً مكرراً لكثير من التظاهرات الأدبية – الثقافية بغض النظر عن محاسن هذا التكرار ومساوئه. أما الجوائز المحلية، فتصنع تفاعلاً نوعيّاً مع كتّاب البلد نفسه، وهنا أود أن أشير إلى أنّ الجوائز في عُمان تفتقد لواجهة إعلامية تؤهلها لأن تكون أكثر صدىً حتى جائزة “السلطان قابوس للثقافة والآداب” على أهميتها وثقلها، تمر مرورا عابرا عبر الوسائط الإعلامية.

تختم الكاتبة والروائية العُمانية الشابة ليلى عبدالله حديثها معنا قائلة “مع كلّ كتاب أنضج ذاتيّا، مع كلّ كتاب أصير أخفّ كغيمة… لكن أن تفتح أقفال نفسك يا صديقي، فعل ليس بهيّن البتة”.

15