كتّاب السياسة أنواع

ثقافة الشتم والكتابة البذيئة بدأت تتحول إلى ثقافة عامة يتلقفها الكتّاب الناشئون، وقد تصبح لغة العصر القادم وإعلامه وفنونه، والعياذ بالله.
الثلاثاء 2020/10/06
صحافة الكلمة الصادقة تحاول الحفاظ على كرامتها واستقلالها

نعم، هناك ثلاثة أنواع من الكتّاب الصحافيين السياسيين.

الأول مائي لا لون له ولا طعم ولا رائحة. يمسك العصا من ذنَبها، ويُعرّف نفسه بأنه مُصالح، ومُراض، وعاقل يُرضي القاضي والمتهم والشهود، ويبتسم للجميع.

وجرت العادة على أن يكون أغلب هؤلاء الكتاب المائيين أصدقاء الحاكم، أيّ حاكم، ظالما أو مظلوما، وبثياب الناصح المخلص الأمين.

والثاني هو العادل الجريء الذي يرى بعينه، ويسمع بضميره، فيكتب ما رأى وما قرأ. وأكثر كتاب هذا النوع يفقدون أصدقاءهم الواحد بعد الآخر ممن يكره الكلمة التي تبكيه، ويعشق الكلمة التي ترضيه.

أما الثالث فهو الكاتب الشحاذ الذي يستخدم الكلمة البذيئة والشتيمة والقصص المفبركة والملفقة ليكسب رزقه الذي يأتيه ممن يخاف من لسانه ويريد أن يتقي شره بالتي هي أحسن، وبأقل التكاليف.

ويفهم هذا النوع من الصحافيين والكتاب أن الديمقراطية والحرية هما انفلات شامل من أية مسؤولية أو أمانة أو موضوعية، يساعدهم على ذلك أنهم وجدوا في الصحافة الإلكترونية مهربا من المراقبة والمحاسبة، فنقلوا لوثة الصحافة المكتوبة التي تعارفنا على تسميتها بالصحافة الصفراء إلى صحافة الإنترنت.

والمخيف في الأمر أن ثقافة الشتم والكتابة البذيئة بدأت تتحول إلى ثقافة عامة يتلقفها الكتّاب الناشئون، وقد تصبح لغة العصر القادم وإعلامه وفنونه، والعياذ بالله.

ويبدو أن تراثنا العربي يتفوق على تراث الأمم الأخرى في مهنة المدح أو الهجاء. فما أكثر الكتاب وأصحاب الإذاعات والفضائيات الذين لا يجدون غضاضة في أن يشتموا ممدوحهم اليوم، بعد أن أسبغوا عليه بالأمس من صفات البطولة والكرم والشجاعة ما ينكره العقل السليم، تبعا لعطاء ذلك الممدوح. والمحزن أن هؤلاء هم أغنياء الصحافة، والمدللون والمكرمون.

فإلى جانب صحافة المداهنة والنفاق أو صحافة الكلمة البذيئة، تجد صحافة الكلمة الصادقة الأمينة البانية المهذبة التي تعاني كثيرا وهي تحاول الحفاظ على كرامتها واستقلالها وبقائها على قيد الحياة.

وينصح خبراء الإعلام العرب بإصدار وثيقة أخلاقيات المهنة تنظم الرقابة الذاتية، وتمنع الكتاب من تجاوز حدود المهنة. ولكن المشكلة تكمن في أن أصحاب تلك المواقع وكتابها غير معنيين بما يقرره الإعلاميون والتربويون، وليس لديهم القدرة على هضمه واحترامه، وبالتالي الالتزام بأحكامه.

وفي تاريخ صحافتنا العربية الطويل كتّاب صادقون طيبون بنّاؤون يتميزون بالحشمة والنزاهة والرقي، لا يكتبون من أجل المال، بل إن ما يهمهم ويؤرقهم هو البحث عن الحق ونشره وإشاعته بين الناس، ولكنهم قليلون.

24