كتّاب عالميون بفرنسا يرفعون أصواتهم ضد الإرهاب والتطرف

الأربعاء 2015/01/21
مواقف وتصريحات تندد بحادثة "شارلي إيبدو"

مثلما كان الحال بعد الهجمة الإرهابية التي هزت الولايات المتحدة الأميركية في الحادي عشر من شهر سبتمبر عام 2001، تشهد فرنسا راهنا سيلا من المقالات ومن المواقف والتصريحات المتصلة بالجريمة البشعة التي ذهب ضحيّتها 12 صحافيا يعملون في جريدة “شارلي إيبدو” الساخرة.

في ملحقها الأدبي الأسبوعي الصادر يوم الجمعة 16 يناير 2015، أصدرت جريدة “لوموند” الفرنسيّة ملفا تضمّن تعاليق كتاب فرنسيين معروفين وغير فرنسيين على الحدث المذكور.

وفي رسالة وجهها إلى ابنته التي شاركت في مسيرة 11 يناير الضخمة، كتب لوكليزيو الحائز على جائزة نوبل للآداب، والمتزوج من سيدة من الصحراء المغربية، يقول: “اخترت أن تشاركي في المظاهرة الكبرى ضدّ العمليّات الإرهابيّة. أنا سعيد بأن تكوني حاضرة في صفوف كلّ الذين شاركوا في المسيرة ضدّ التطرف الأعمى للمتزمتين. كنت أرغب في أن أكون إلى جانبك غير أنني كنت بعيدا، وعليّ أن أقول لك إني أشعر أنني شخت بالقدر الذي لا يسمح لي بالمشاركة في هذه التظاهرة التي مشى فيها كثيرون”.


الهبوط إلى الجحيم

لوكليزيو يدعو إلى وضع حدّ لظهور ما هو غريب وهجين داخل الأمة


في مكان آخر من رسالته، كتب لوكليزيو يقول: “ثلاثة قتلة ولدوا وكبروا في فرنسا روّعوا العالم بوحشيّة جريمتهم، غير أنهم ليسوا متوحشين؛ هم يشبهون أولئك الذين نلتقي بهم في سائر الأيام، وفي كلّ لحظة، في المعهد، وفي قطار ألأنفاق، وفي الحياة اليوميّة. وفي لحظة ما من حياتهم انجرفوا إلى الجريمة بسبب علاقاتهم السيئة مع آخرين، أو لأنهم لم ينجحوا في دراستهم، أو لأن الحياة من حولهم لم تمنحهم أيّ شيء سوى عالم مغلق لا مكان لهم فيه، كما هم يظنون”.

ويواصل: “أول هبّة للانتقام أحرقتهم، ظانين أنه دين ما هم متعلقون به، في حين أنه لا يعدو إلا أن يكون استلابا وارتهانا. هذا الهبوط إلى الجحيم هو الذي يتحتم إيقافه وإلاّ فإن هذه المسيرة الجماعية الكبيرة ستكون بمثابة اللحظة العابرة، وبالتالي لن تغيّر شيئا.

لا بدّ من تحطيم الغيتوات، وفتح الأبواب، ومنح كلّ واحد من سكان هذه البلاد حظه في الحياة، والاستماع إلى صوته، ولا بدّ أن نتعلم منه بنفس قدر ما يتعلمه هو من الآخرين. ولا بدّ من وضع حدّ لظهور ما هو غريب وهجين داخل الأمة. ولا بدّ من معالجة بؤس العقول للقضاء على المرض الذي يقوّض الأسس الديمقراطية لمجتمعنا”.

ووصف الكاتب الألباني إسماعيل كاداريه جريمة “شارلي إيبدو” بـ”القاسية والدراميّة” قائلا إنها “أصابت أوروبا في الصميم”، وأضاف صاحب رائعة “جنرال الجيش الميت” يقول: “صحيح أننا نعتبر أوروبا القارة التي استفادت أكثر من غيرها من القارات، ومن خيرات الكون، لكن في نفس الوقت هي التي أعطت أكثر للآخرين.

ويمكن أن نقول إن ما منحته أوروبا ينتمي إلى حلقة واحدة، هي حلقة القيم الروحية، أي الفلسفة والفن والأدب والديمقراطية وحرية التعبير التي بسببها تمّ ضربها في الصميم”.

وفي الحوار الذي أُجري معه، أشار الكاتب الجزائري كمال داوود صاحب رواية “مارسو، تحقيق مضاد”، التي كادت تفوز بجائزة “غونكور” المرموقة “لعام 2014 بأن الأمر ثقافيّ أساسا.

فالمرء لا يولد تكفيريا وجهاديا، وإنما يصبح كذلك بسبب كتب أو أفكار. لذلك لا بدّ من مواصلة الكتابة والرسم والغناء لكي يتعرف الطفل الذي يأتي إلى العالم على أفكار مختلفة عن تلك التي تحرّض على القتل وترهيب الآخرين سواء باسم الدين أو باسم شيء آخر”.

وأضاف كمال داوود قائلا: “المشكلة في الجزائر هي أننا لا نملك أيديولوجيا بديلة للأصولية الإسلامية. وإذا ما كان الواحد في السابعة عشرة من عمره، أي في سنّ المطلق، فكيف يكون؟ إن الأصولية الإسلامية تلتهمه، ويصبح رهينة لها لتنتقل في جسده، وفي تربيته الجنسية وفي حياته، وفي علاقاته مع الآخرين. في الأفق ليس هناك أي شيء، إنها الكارثة الفلسفية في العالم العربي”.


لا للسياسة التأديبية

راسل بانكس فرنسا يحذر من انتهاج سياسة تأديبية ضدّ بلدان أخرى


الكاتب والأكاديمي الفرنسي المرموق أنطوان كابانيون يرى أن مقارنة جريمة “شارلي إيبدو” بحادثة الحادي عشر من سبتمبر 2001 في نيويورك قد تحجب الكثير من الحقائق المتعلقة بالواقع الفرنسي والسياسة الداخلية الفرنسية.

فمقترفو جريمة السابع من يناير 2015 لم يأتوا من خارج فرنسا مثلما هو الحال بالنسبة لمنفذي هجمات 11 سبتمبر، الذين قدموا إلى الولايات المتحدة كسيّاح.

والمفزع في الأمر أن الشابين الأخوين كواشي ولدا ودرسا في المدارس الفرنسية من دون أن يتمكن كل واحد منهما من قراءة الكلمات، ومن قراءة الصور بطريقة صحيحة.

والمفزع كذلك أن العائلة والمدرسة والمجتمع فشلوا جميعا في تربيتهما حتى لا ينساقا إلى الجريمة والعنف، وفشلوا في أن يرسخوا في كيانيهما المعاني العميقة والحقيقية للثقافة الفرنسية، والمتمثلة في سخرية رابليه، وحكمة مونتاني، وتسامح فولتير.

أما الكاتب الأميركي راسل بانكس فيعتقد أن هناك تشابها بين هجمة الحادي عشر من سبتمبر 2001، وجريمة السابع من يناير 2015. الفرق الوحيد بينهما هو أن الأولى كانت هجمة ضدّ الرأسمالية المتمثلة في برجي التجارة العالمي بنيويورك. أما الثانية فكانت جريمة ضد حرية التعبير التي تتميز بها الدول والمجتمعات الغربية.

وحذّر راسل بانكس فرنسا من انتهاج سياسة تأديبية ضدّ بلدان أخرى مثلما فعلت الولايات المتحدة الأميركية، بل عليها أن تعاقب مقترفي الجريمة الإرهابية، وتتبع من يساندهم فعليا. هذا هو المطلوب منها فقط ولا غير.

14