كتّاب قفزوا أعواما ضوئية ونصوصهم كوجبات الميكرويف

ملف قضايا المرأة السعودية يشغل تفكيرا واشتغالات القاصة سلمى بوخمسي التي تعمدت في معظم القصص ألا تمنحها ملامح حادة تحصرها في أبعاد مكانية ضيقة.
الخميس 2018/08/02
أرغب في زعزعة الصوت الذكوري
 

تشكّل قضايا المرأة في المجتمع الذكوري وتسلطه عليها حيزا كبيرا من مساحات الكتابة لدى الكاتبات السعوديات، فيكتبن عن مصائرها وحيواتها ليكشفن واقعا سوداويا، ويقبضن على أسراره في محاولة كشفه وتعريته للعالم. هكذا تقف القاصة السعودية سلمى بوخمسين في نصوصها متلمسة الأثر الذي يقود إلى الحقيقة. “العرب” كان لها معها هذا الحوار.

تختصر المجموعة القصصية “على سرر” للقاصة السعودية سلمى بوخمسين قدرة العالم الذكوري على ظلم المرأة من خلال تناولها لقضايا المرأة في عدة نصوص، واضعة إياها كضحية في معبد الحياة المحكومة بالتقاليد والأعراف والدين وقاموس طويل من السجون النفسية والحقيقية لها. فرغم اختلاف الوقائع السردية بين قصة وأخرى إلا أن الجرائم الواقعة عليها متشابهة، والمسوغات متوافقة، وكأن العالم كله عقد مؤامرة ضدها، فلا يبقى أمل من الحياة الذكورية، لذا تلجأ بوخمسين في بعض قصصها لمعالجة الواقع عبر اللجوء إلى العالم الآخر، ناسجة من خيالاتها قصصا للجنة ومفرداتها التي لا يمكن إلا أن تكون استحقاقا إلهيا للمرأة بعد كل الظلم الذي وقع عليها.

ضد الذكورية

عن مناخات مجموعتها “على سرر”، الصادرة مؤخرا عن دار أثر السعودية، تحدثنا بوخمسين قائلة “تعمدت في معظم القصص ألا أمنحها ملامح حادة تحصرها في أبعاد مكانية ضيقة، بل أسبغت عليها اتساع الشرق حتى تحمل قضاياه وهمومه، والمشترك من موروثاته وتحدياته من المحيط إلى الخليج. أصغيت للشخصيات جيدا، سمحت لها أن تعبر عما يجول بخواطرها، أن ترفض، تتمرد، وتطرح الأسئلة. في المجمل، اقتربت كثيرا من التجارب الحياتية اليومية بمنتهى الصدق كي تكسب الحكايات واقعية وتلقائية، فتتسلل بنعومة لمخيلة المتلقي وتستفز قناعاته ومسلماته، لكني لجأت للفنتازيا في حكايتين حين كان سقف الطرح عاليا وكانت الأسئلة أصخب من أن يحتويها نص واقعي”.

في المجموعة يلمس القارئ فم النساء المعذبات ينطق من خلال القصص، فمثلا، في نص “على سرر” نواجه سيرة للمرأة (النساء) في صورة صرخة مكلومة مخذولة متخيّلة. وكأن بوخمسين تكتب سيرة المرأة وسط الذكورية المطلقة.

مجموعة تختصر قدرة العالم الذكوري على ظلم المرأة
مجموعة تختصر قدرة العالم الذكوري على ظلم المرأة 

تقول القاصة مؤكدة “رغم أن ذلك لم يكن متعمدا إلا أن أغلب ما كان يجتاحني ويستحثني على الكتابة هو قضايا المرأة وعالمها المليء بالتناقضات. فما بين رقة وشاعرية المرأة الفطرية وبين قساوة العادات والأنظمة والشرائع تجاهها توجد هاوية سحيقة من الصعب أن تجتازها السيدات دون خسائر. فتحت وطأة مجتمعاتنا الشرقية الذكورية لا يزال صوت النساء منخفضا مغيبا نسبيا ولا تزال احتياجاتهن النفسية والفيسيولوجية ومشاعرهن وصراعاتهن الوجودية في خانة التهميش. وبالتأكيد وبما أن الكتابة الحية تنبع من الذات ومن تجارب الجسد كان من البديهي بالنسبة إلي أن أتقلد نون النسوة في حكاياتي”.

وعلى عكس التصور النسقي الديني القائل إن معظم أهل النار من النساء قدّمت بوخمسين قصصها التي تقول إن معظم أهل الجنة من النساء، واضعةً النسق في قالب قصصي متخيّل عبر تقديم مصائر مجموعة من النساء وكيف آلت حيواتهن إلى هناك (الجنة).

وفي سؤال عن مدى قدرة الكاتب السعودي على كسر التابو الديني وهل يقلقه الرقيب بمعناه العام (السياسي –الديني – الاجتماعي)، تجيب سلمى بوخمسين “لم يكن هدف الحكاية تقديم قناعتي الشخصية أو قناعة مضادة بقدر رغبتي في زعزعة صوت الدين الذكوري عبر طرح نماذج واقعية، وإن كان نسج القصة متخيلا، في هذه القصة أردت التركيز على معاناة المرأة المحرومة والمقيدة بأغلال التشريعات والأعراف الاجتماعية التي يتماهى فيها التشريع السماوي والأحكام الوضعية، والتي تجتمع على كونها أكثر شدة وصرامة مع المرأة كما تمنحها مصيراً أخرويا قاسيا أيضا.  وبالتأكيد، فإن مقص الرقيب يقلق كل كاتب سعودي أو غير سعودي على حد السواء فتأتي النصوص مشذبة حتى وإن كانت تتقاطع مع أحد التابوهات، أما بالنسبة لي في هذه المجموعة وهذه الحكاية فلا يتعدى الطرح كونه مناوشة ودية فنتازية لها “.

جيل جديد

يشغل ملف قضايا المرأة السعودية تفكيرا واشتغالات ضيفتنا القصصية والمسرحية، فهي بالإضافة إلى عملها القصصي قدّمت أعمالا مسرحية تأليفا وإخراجا وإشرافا، وترى أن قضية المرأة وحقوقها ملف مهم، وتصطدم به يوميا في حياتها الشخصية. تقول “ملف حقوق المرأة من أنشط الملفات وأكثرها تقدما إلى الأمام ونحن على وشك حصاد المزيد والمزيد من نتائج القرارات السياسية الحكيمة والمنصفة للمرأة ولمس أثرها على أرض الواقع. وبما أن القانون يعتبر أحد أهم موجهات الذوق العام ويؤثر بشكل مباشر على ممارسات المجتمع وسلوكياته وتعاملاته فأنا آمل أن تلمس أبعاد التغيير حتى التفاصيل المسكوت عنها والتي لم تكن القوانين لا مانع ولا مثبت لها”.

سلمى بوخمسين من مواليد 1981، وترى أن “جيلها (جيل الثمانينات) هو الجيل الذي يقف في المنتصف بين عصرين، فبينما تربى على مبادئ وكلاسيكيات الزمن الجميل طفلا يجد نفسه يخوض تحديات عصر السرعة والديجيتال بالغا. وبينما أرغم على تشرب مبادئ التشدد الديني كخيار وحيد لا بديل عنه يكبر ليشهد انحسار تلك الموجات واستبدالها بمفاهيم التعددية والتسامح والحرية بعد أن سرقت منه طفولته وباكورة شبابه”.

وتقول في ذات الشأن “على الصعيد الثقافي والكتابة تحديدا فبعد أن آمن جيل الثمانينات أن على التجارب الإبداعية الفنية أن تصقل وتختبر مراحل مخاض طويلة قبل أن ترى النور، يجد نفسه محاطا بتجارب شابة تقفز أعواما ضوئية لتقدم نفسها بصلابة فتختصر المسافات على طريقة زمن وجبات الميكرويف الذي تنتمي له. الجميل والصادم أن هذه التجارب الطازجة تنجح في تسخير كل الوسائل الحديثة لتصل إلى القراء وتثبت وجودها على الساحة الثقافية بينما لا يزال هو كعادته حائرا في المنتصف”.

ما بين رقة وشاعرية المرأة الفطرية وبين قساوة العادات والأنظمة تجاهها توجد هاوية من الصعب اجتيازها دون خسائر

وتؤكد قاصتنا على أن المشهد القصصي السعودي المعاصر نشط ومتجدد ومليء بالأسماء اللامعة. فالقصصيون السعوديون -حسب رأيها- تجاوزوا أدب القصة والقصة القصيرة وصولا إلى لون القصة القصيرة جدا (ق ق ج).

وتتابع “بل وحتى أدب الومضة وهي ألوان أدبية حديثة ترتكز على التكثيف والاختزال فيغلب أن تحمل رسائلها بشكل لاسع ولاذع، لكن رغم كثافة الإنتاج وجودته لا يزال القارئ العربي ميالا إلى الروايات والشعر بالدرجة الأولى وغير معتن بأدب القصة لذا تضيق شريحة القراء والمهتمين ولعل القصصيين يعتمدون على المجلات والدوريات الأدبية للوصول إلى القارئ أكثر من اعتمادهم على انتشار مجموعاتهم القصصية المطبوعة بشكل مستقل”.

وفي سياق آخر للحوار ترى بوخمسين أن الصحوة تعيش الآن آخر أيامها، فهي -بحسب تعبيرها- كرجل مريض يحتضر يحاول عبثا التشبث بالحياة. وتقول مختتمة “لقد قُوبلت التصريحات الرسمية بالقبول من أكبر شرائح المجتمع بعد أن أنهكها جثوم التيار الصحوي وهيمنته على الفكر والثقافة والفن لثلاثة عقود. الجدير بالذكر أن المجتمع الذي قد يظن الرائي أنه يقوم بالانسلاخ عن جلدته، ويتحلى بحلة جديدة هو في الحقيقة لا يتبدل فكريا بقدر ما هو يتوقف عن المجاراة فقط، ويحاول أن يتنفس ويعبر عن نفسه بصدق من جديد. المجتمع السعودي الزاخر بالفن والفنانين والأدباء ينطلق بسرعة الآن لمواكبة ما حوله”.

15