كتّاب من الشرق والغرب هاجروا وكتبوا بعيدا عن الوطن الأم

الثلاثاء 2014/11/04
الطاهر بن جلون: وطننا هو اللغة التي بها نعبر ونكتب

في عام 2009 أسندت فرنسا جائزة “رونودو” المـرموقة للكـاتب الغيني تيارنومينانبو، وقبلها أسندت جائزة “غونكور”، أشهر جائزة أدبية في بلاد موليير إلى كتّاب اختاروا الكتابة باللغة الفرنسية من أمثال المغربي الطاهر بن جلون، واللبناني أمين معلوف، والروسي أندريه ماكين، والأفغاني عتيق االرحيمي، وليس هؤلاء فقط هم الذين انجذبوا إلى الاختيار ذاته، بل هناك أيضا الهنغارية أغوتا كريستوف، والكوبي إدواردو ماني، والصيني فرانسوا شانغ. كما لمعت في المشهد الأدبي الفرنسي أسماء أخرى تعيش في الهجرة مثل الروسيّة لوبا جورغنسون، والفيتناميّة ليندا لاي.

يقول الطاهر بن جلون إن الهجرة عند الإنسان المسلم لها معنى مقدّس، وقد يعود ذلك إلى هجرة الرسول محمد من مكة إلى المدينة بحثا عن الأنصار بعد أن قاومه أهله رافضين دعوته.

ويضيف بن جلون حديثه قائلا: “يهتمّ الأدب بالجراح قبل أن يهتمّ بالسعادة، وأعتقد أن تاريخ الهجرة موضوع يفرض نفسه على كاتب مثلي، قادم من بلاد يعيش الكثيرون من أهلها في الهجرة، وبعد أن اختلطت بالبعض من المهاجرين في بداية هجرتي إلى فرنسا، وكان ذلك مطلع السبعينات من القرن الماضي، أعطيتُ دروسا في محو الأميّة لعمّال مغاربة”.

ويتابع: “في ذلك الوقت لم يكن هناك حديث كثير عن الهجرة مثلما هو الحال الآن، وقد شعرت أن لدى كلّ أولئك العمال الذين يعيشون العزوبيّة، حزنا عميقا، وهو نفس الحزن لدى الشخصيّة الرئيسيّة في روايتي “في البلاد”.

عتيق الرحيمي: الأدب وسيلة لإعادة خلق المفاتيح

فبالنسبة إلى هذا الرجل الذي عاش حياته محافظا على كرامته، مثّل له التقاعد عن العمل صدمة عنيفة، إذ ماذا سيفعل بالوقت المديد الذي أصبح متاحا له. وأعتقد أن الأدب يمنح المجتمع فرصة الدخول إلى حميميّة الشخصيّات التي نراها تمرّ أمامنا من دون أن نتعرف على مشاعرها، وعلى آلامها. لذا بإمكاني أن أقول إن الأدب هو وسيط بين الواقع والمجتمع”.

أما عتيق الرحيمي فيقول بأنه يحكي نفس القصّة لكي يحدّد مواصفات المنفى، بطل هذه القصة يدعى نصرالدين، ذات يوم يعثر رجل على نصرالدين وهو بصدد البحث عن مفاتيح بيته تحت مصباح.

في البداية ساعده على ذلك، غير أنه سرعان ما انقطع عن البحث ليسأله: “هل فقدت المفاتيح هنا؟”، فأجابه نصرالدين إنه فقدها في قريته. سأله الرجل مندهشا: “وإذن لماذا تبحث عنها؟”. فردّ عليه نصرالدين قائلا: “لأن في قريتي ليس هناك نور!”.

يعتقد عتيق الرحيمي أن القصّة المذكورة تقدم تفسيرا واضحا ودقيقا للمنفى، فبلاده أفغانستان غرقت في الحرب والرعب، وفيها فقد هو مفاتيح هويته وحريته، لذلك اختار العيش في المنفى ليعثر عليها من جديد. والأدب بالنسبة إليه وسيلة لإعادة خلق المفاتيح بواسطة الخيال، لهذا السبب انقطع عن الكتابة باللغة الأم ليكتب باللغة الفرنسية.

ويضيف عتيق الرحيمي قائلا: “عندما غادرت بلادي عام 1984، كان علينا أن نمضي تسعة أيام في السير بين الجبال الوعرة لكي نصل إلى الحدود الباكستانيّة، عندئذ طلب منّا منظم رحلة هروبنا أن نلتفت إلى الوراء لنلقي نظرة أخيرة على وطننا، وفعلا التفتنا لنرى آثار خطواتنا في الجانب الآخر من الحدود، حيث كان هناك الثلج والصحراء”.

إدواردو ماني: كنت أفكر في الكتابة بلغة أخرى غير اللغة الأم

عندئذ قلت لنفسي: “هذا هو مستقبلك، منفاك سيكون مستقبلك، وما عليك إلا أن تملأ الصفحة البيضاء”. بالنسبة إليّ الكتابة وسيلة لملء الصفحة البيضاء بفضل المسافة التي اتخذتها مع بلادي، وأعتقد أن منفاي غيّر نظرتي إليها، فمن خلال لغة أخرى، وثقافة أخرى، وأدب آخر، أصبحت أنظر إلى أفغانستان بعين أخرى”.

يعتقد الكوبي إدواردو ماني أنه منفيّ على الدوام، ففي البداية غادر بلاده بسبب نظام باتيستا، ثم عاد ليغادر ثانية بسبب نظام فيدال كاسترو.

يقول ماني: في الخمسينات من القرن الماضي، أتيحت لي فرصة لقاء صاموئيل بيكيت في باريس، وذات يوم قلت له إني قرّرت عدم العودة إلى كوبا بصفة نهائيّة، وكنت أفكر في الكتابة بلغة أخرى غير اللغة الأم، وكان إحساسي حينذاك بأنني إن فعلت ذلك، فإنني سأقترف ذنبا لا يغتفر. وأذكر أن بيكت فكّر طويلا، ثم أجابني قائلا: “أنا شرعت أكتب بالفرنسيّة ذلك أن لغة جيمس جويس باتت حملا ثقيلا يصعب عليّ حمله”.

ثم أضاف بيكت قائلا: “إن اللغات ليست لها قيمة، وأنّ المهم هو العالم الأدبي الذي نبتكره؛ ومعنى هذا أن وطننا هو اللغة التي بها نعبّر ونكتب. لكن يمكن أن يكون لنا وطنان مثلما يمكن أن يكون لنا ثلاث أو أربع نساء”.

14