كثرة أوقات الفراغ تشجع الأطفال في تونس على اكتساب سلوكيات خاطئة

المحتويات التعليمية الجيدة تجنب الأطفال إدمان الألعاب الإلكترونية.
الأربعاء 2021/01/20
تنظيم أوقات فراغ الطفل مسؤولية الأسرة

أدى تقليص الزمن المدرسي نتيجة التدريس بنظام الأفواج إلى انغماس الأطفال في سلوكيات خاطئة كإدمان الألعاب الإلكترونية والولوج المستمر إلى شبكات التواصل الاجتماعي، ومشاهدة قنوات تلفزية لا تتلاءم مع أعمارهم، ما استرعى اهتمام فاعلين في الشأن التربوي دعوا الأسر التونسية والمدرسة بجميع متدخليها إلى ترشيد أوقات فراغ الأطفال وحمايتهم من السلوكيات المحفوفة بالمخاطر وتأطيرهم لاكتساب مهارات جديدة.

فرضت جائحة كورونا على المؤسسات التربوية في تونس اعتماد التدريس بنظام الأفواج كإجراء من إجراءات التباعد الجسدي، بحيث لا يزيد عدد الطلاب في القسم الواحد عن 18 تلميذا، وذلك لمنع انتشار عدوى الفايروس.

ويتم بمقتضى نظام الأفواج الذي تقرر اعتماده بالتشاور بين وزارة التربية والجامعة العامة للتعليم الثانوي، تقسيم الأقسام بمختلف المستويات الدراسية إلى فوجين “أ” و”ب”، لتكون أيام الدّراسة طيلة الأسبوع مقسّمة بين الفوجين بالتناوب، حيث أنّ كلّا منهما يدرس ثلاثة أيّام في الأسبوع.

وقد أدى هذا النظام إلى كثرة أوقات الفراغ التي لم يستثمرها الطلاب في المراجعة أو تنمية زادهم المعرفي، بل في إدمان الألعاب الإلكترونية وتصفح مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، وخاصة “تيك توك” الذي استحوذ على عقول الفتيان والفتيات على حد السواء.

سماح العكرمي: تراجع دور الأسرة أدى إلى تراجع منظومة التعليم

ولاحظت نجيبة الكوكي، مربية أطفال وأم لثلاث بنات، تراجع مستوى الطلاب خلال هذه الثلاثية نتيجة اعتماد نظام الأفواج وكثرة الوقت الضائع. وقالت الكوكي لـ“العرب” إن الآباء لم يحسنوا استغلال الوقت الذي أنتجه نظام الدراسة يوما بيوم، ولم يوجهوه بما يخدم مصلحة أبنائهم، مشيرة إلى أن الخوف من انتشار عدوى فايروس كورونا جعل الكثيرين يفضلون بقاء أبنائهم في المنزل على أن يذهبوا إلى دروس التدارك أو إلى ممارسة أنشطة رياضية، مما جعل إقبالهم على الهواتف الجوالة والتطبيقات الإلكترونية يتزايد.

ودعت الآباء والأمهات إلى تنظيم أوقات أبنائهم  بين الدراسة واللعب وتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، ناصحة الأمهات خصوصا بالتقليل من تمكين الأطفال صغار السن من الهواتف الجوالة ومراقبتهم الدائمة في حال مكنهم منها.

ويجبر العزل المنزلي الأسر على ترك الأبناء ساعات طويلة أمام الشاشات رغم ازدياد احتمالات تعرضهم للخطر، رغم المحاذير التي ما انفكت تسوقها مراكز الدراسات والمنظمات العالمية، ومن بينها منظمة الأمم المتحدة للطفولة التي صنفت الإدمان على الألعاب الإلكترونية مرضا نفسيا.

ويجد الآباء والأمهات أنفسهم أمام معادلة صعبة، إما حرمان الأبناء من الإنترنت ووضع وقت محدد لتصفحها، مما يقابله وقت فراغ طويل أمام أطفال لا يملكون وسائل متنوعة، مع تأثير حرمانهم من المدرسة ولقاء الأصدقاء، وإما التساهل والتغافل عن تمضيتهم أوقاتا طويلة أمام الشاشات ونتائجها الوخيمة.

كما دعت سماح العكرمي، أستاذة اللغة الفرنسية بمعهد محمود المسعدي بمحافظة الكاف، الوالدين إلى مراقبة أطفالهم، متسائلة عن دور الأسرة الذي تراجع في السنوات الأخيرة ما أدى إلى تراجع منظومة التعليم.

وقالت العكرمي لـ”العرب” “في ظل غياب مراقبة الوالدين لأبنائهم لا يمكن للتعليم أن يثمر، لأن المدرس الذي في عهدته ما يزيد عن 30 تلميذا بالقسم الواحد لا يمكن أن يراقبهم جميعا بنفس المستوى إذا لم يجد الدعم من العائلة”.

وأشارت إلى أن الطلاب اعتبروا اليوم الذي لم يدرسوا فيه في ظل نظام الأفواج يوم عطلة وليس يوم عمل أو مراجعة، ما أثر سلبا على نتائجهم الدراسية، التي اعتبرتها كارثية في المجمل.

واعتبر رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم، سليم قاسم، أن الجائحة فرضت على نظام التدريس الكثير من أوقات الفراغ لم يحسن الطلاب استثمارها، بل أدمن العديد منهم الألعاب الإلكترونية، وبالغ عدد آخر منهم في تصفح شبكات التواصل الاجتماعي، فضلا عن مشاهدة قنوات تلفزية غير ملائمة لسنهم.

وأكد قاسم لوكالة تونس أفريقيا للأنباء أن الطلاب محتاجون بصورة ملحة وعاجلة إلى محتويات تعليمية وتربوية عالية الجودة تمكنهم من بناء ذواتهم على نهج سوي، داعيا إلى إكسابهم عددا من المهارات التي تساهم في تأهيلهم لتحقيق رقيهم الشخصي وتنمية ذواتهم.

جائحة كورونا فرضت على نظام التدريس في تونس الكثير من أوقات الفراغ الشيء الذي لم يحسن الطلاب استثمارها، بل أدمن العديد منهم الألعاب الإلكترونية

كما أشار إلى أن الأسرة التونسية تحتاج اليوم إلى إعادة إحياء دورها في تربية الأبناء وتعليمهم، معتبرا أنها تخلت شيئا فشيئا عن دورها المحوري، وهي في أمسّ الحاجة إلى المرافقة والتأهيل لاكتساب ما تحتاجه من معارف ومهارات حتى تقوم بوظيفتها التربوية والتعليمية على أكمل وجه.

ويعد سد الفراغ الكبير بالوسائل الخاطئة من أخطر الأمور على حاضر الأطفال ومستقبلهم، حيث يمكن أن يؤدي بهم ذلك في نهاية المطاف إلى انحراف السبل، وهم الفئة التي يقع على عاتقها الارتقاء بالمجتمع والرقي به نحو الحضارة والتقدم.

ويحمل علماء الاجتماع والتربية دورا كبيرا للأسرة في مساعدة الأبناء على تجاوز عقبة أوقات الفراغ ومساعدتهم على السير في الطريق السليم حتى لا يكونوا عالة على المجتمع، وأن يملأوا أوقات فراغهم بما يعود عليهم وعلى مجتمعهم بالنفع العام.

ويرون أن المدرسة لا يمكن أن تؤدي دورها كاملا إلا بمشاركة العائلة واستعداد الطفل لتقبل العلم، وتساءلوا كيف يتقبل طفل لم يبذل أبواه أي جهد في تعليمه منذ طفولته؟ وأكدوا أن الطفل الذي يقضي أوقاته في اللهو واللعب والعراك لا يمكنه أن يكون عنصرا جيدا في المجتمع، معلنين أن طفل اليوم يقضي معظم وقته تحت تأثير البرامج الإعلامية والأفكار الغريبة التي تأتيه من كل جهة وخاصة من مواقع التواصل الاجتماعي، داعين الأسر إلى حسن تأطير أطفالها بغاية فسح المجال لهم لاكتساب مهارات جديدة خلال فترة جائحة كورونا.

21