كثرة الطهاة تعيق مهمة مصر

الانقسام تجاوز الأمور السياسية وأصبح ينخر كل القضايا الحياتية ويتاجر بها، لأن التوازنات الحركية لا تزال تتغلب على نظيرتها الوطنية.
الاثنين 2021/06/14
الانقسام يعرقل كل جهود التسوية

تفاءل الكثيرون بعد حرب غزة بشأن الاقتراب من معادلة جديدة لوقف الترهل الحاصل في القضية الفلسطينية، وراهنت تقديرات سياسية على أن الرعاية المصرية للحوار وإنهاء الانقسام ستكون أفضل هذه المرة من سابقاتها، لأن هناك أجواء داخلية وإقليمية ودولية يمكن الاستفادة منها للتخلص من تعقيدات أعاقت نجاح الجولات الماضية.

انتهى الحوار الجماعي قبل أن يبدأ وأعلنت القاهرة عدم انعقاد جولة السبت الماضي، وأسقط في يد عدد كبير من المتفائلين وعادوا إلى خيبة الأمل التي صاحبتهم طويلا، ففي كل مرة يتم التوصل فيها إلى تفاهمات بين الفصائل الفلسطينية لا يتم تطبيقها وتنهار قبل أن يجف حبرها وتعود الحركات للأماكن التي تستقر فيها داخل فلسطين وخارجها.

رأت القاهرة أنه لا داعي للجلوس الجماعي للحديث عن ترتيب البيت الفلسطيني في ظل مسافات متباعدة وهوّة يصعب تجسيرها، فهناك من يصرون على مواصلة الهدم، واكتفت بحوارات منفصلة مع حركتي فتح وحماس لبضعة أيام للتفاهم حول خطوط عريضة يمكن البناء عليها خلال الفترة المقبلة، وحتى هذه قد لا يتم تحقيقها.

يبدو أن كثرة الطهاة السياسيين وتعدد الممولين الماليين، من إيران إلى قطر وتركيا وما خفي أعظم، لهم رأي في حوارات الفصائل التي أرادت منها القاهرة أبعد من تكريس دورها أو تثبيت نفوذها، فخلال السنوات الماضية حاولت جهات عديدة سحب الدور والنفوذ لكنها لم تتمكن من ذلك، وفي أول محك مصيري مثلته حرب غزة كانت مصر الوحيدة القادرة على وقف إطلاق النار ضمن معادلة تجاوزت فيها دور الوسيط إلى السعي لضبط أوجه الخلل المزمن في مفاصل القضية الفلسطينية.

تتمثل أول مظاهر الضبط في محاولة إنهاء الانقسام بين فتح وحماس كأكبر حركتين على الساحة، غير أن الشروط التي وضعها كل طرف أعاقت الهدف الذي تسعى له مصر، حيث شعر كلاهما أنه الأحق بالقيادة وله داعمون وممولون يحرصون على تخريب فكرة استعادة اللحمة الوطنية، لأن الوصول إليها يقوّض الكثير من الأدوار الخارجية التي اعتادت توزيع الأدوار وارتاحت لاستمرار الانقسام.

 تتجاوز فتح التآكل الذي ينخر جسمها والتفسخ الذي أصاب هياكلها وتريد أن يتم التعامل معها كحركة قائدة للنضال الفلسطيني، وتتجاوز حماس اعتراض كثيرين على توجهاتها السياسية والعقائدية وتصر على أن تُعامل كرأس حربة في مقاومة إسرائيل، وبين هذه وتلك دوائر عدة منحازة لكل طرف، لا تريد للدور المصري نجاحا يسهم في تعديل الدفة الفلسطينية ووضعها على المسار الصحيح.

في كل دورة حرب مع إسرائيل أو أزمة فلسطينية عاجلة تتقدم فيها مصر بمقاربة أو مبادرة للمصالحة بين الفصائل تعلم أنها تتحرك وسط حقل من الألغام، وأكدت خبراتها أن الحل لا بد أن يأتي من الداخل، فإذا اتفقت الحركات المختلفة على إنهاء الانقسام يمكن الالتفاف حول أجندة وطنية، وطالما استمر التباين والتراشق والتخوين والتآمر سوف يظل التضارب بين الأجندات عائقا.

تحوّل تعمّد التضارب إلى هدف يحقق المكاسب للبعض، لأن من يقفون خلف الستار يتغذون عليه ويدفعون من أجله ثمنا باهظا، ويدركون أنه في اللحظة التي تصل فيها مصر إلى مصالحة عادلة ومستقرة بين الفصائل تنتهي أدوارهم ويتم تشكيل قيادة وطنية جماعية تتولى إدارة الحوار مع إسرائيل واختيار الطريقة المناسبة.

التأجيل إلى وقت طويل أو قصير يمثل رسالة لا تخلو من إهانة سياسية للفصائل الفلسطينية ويفيد بأن القاهرة ليست مستعدة لتكرار الدخول في محادثات لا طائل من ورائها سوى التقاط الصور

تتذرع إسرائيل بأن الانقسام الفلسطيني عائق أمام عودتها إلى المفاوضات، وهو حق يراد به باطل، ففي أوج عنفوان حركة فتح أيام الزعيم الراحل ياسر عرفات لم تلتزم بالقرارات الدولية، وماطلت وناورت حتى تمكنت من اغتياله لإحداث فتنة داخلية والبدء في كتابة سطور صفحة جديدة عنوانها توسيع الفجوة بين القوى الفلسطينية.

يمثل الانقسام الذريعة التي تستند عليها إسرائيل للهروب من المفاوضات، لذلك تحرص القاهرة على دحضها عبر مواصلة الدعوة للمحادثات التي يعني توقفها أو إعلان فشلها انتقالها إلى محطة أخرى، عربية أو غير عربية، لأن إدارة الحوار لم تعد عملية مطلوبة لقطع الطريق على خيار الحرب أو وسيلة لإقامة الدولة الفلسطينية، بل تنتقل في يد بعض القوى إلى أداة للمناكفة الإقليمية.

اعتقدت مصر أن الفرصة مواتية للحوار بعد حرب غزة وحاولت الاستفادة من الزخم الدولي الراغب في إيجاد حل لأزمة مستعصية، واستشعرت الولايات المتحدة الخطورة التي تنطوي عليها العودة إلى الحرب على مصالحها في المنطقة، ومنحت واشنطن القاهرة ضوءا أخضر لمواصلة دورها بما يتجاوز الهدنة المؤقتة، ودعم فكرة تمديده لفترة طويلة كي يتم فتح الطريق أمام العودة للتسوية السياسية.

انزعج الطهاة والممولون من هذه النتيجة وسعوا لتخريب خطة القاهرة لإنهاء الانقسام، حيث يتكفل نجاحها بفتح الباب للخطط التالية الرامية لإيجاد حل مقبول للقضية الفلسطينية، ما يفسّر الشروط المفاجئة التي أعلنتها فتح وحماس قبل جلوس الفصائل جميعا وجها لوجه، وكأن الهدف هو تفجير الحوار قبل بدايته، الأمر الذي فهمته القاهرة وسارعت بالإعلان عن التأجيل لأجل غير مسمى.

يمثل التأجيل المفتوح إلى وقت طويل أو قصير رسالة لا تخلو من إهانة سياسية للفصائل الفلسطينية، ويفيد بأن القاهرة ليست مستعدة لتكرار الدخول في محادثات لا طائل من ورائها سوى التقاط الصور الودية، ولن تتعامل مع الحوار كعملية سياسية في حد ذاتها، ويعقد بصرف النظر عن الحصيلة التي يمكن أن يتمخض عنها.

تريد مصر التأكيد على أنها تجاوزت المرحلة التي لجأت إليها في أوقات لم تكن قدرتها السياسية تسمح بأكثر من استعطاف الفصائل للاجتماع والحوار، لكن اليوم لديها من المفاتيح ما يساعدها على ممارسة ضغوط قوية على الفصائل ومن يعرقلون المحادثات الإيجابية أو يسخّرون طاقاتهم لعدم إنهاء الانقسام.

إذا كان البعض من الطهاة يعتبرون فشل الحوار هدفا تكتيكيا ويعملون على إفساده بكل الوسائل الممكنة، فمصر على يقين من أن نجاحه يمثل لها هدفا استراتيجيا ودونه لن تتمكن من القيام بدورها الإقليمي، وينتقص الإخفاق من الدعم الذي حصلت عليه مؤخرا، والأخطر أنه يمثل انتصارا للمعسكر المقابل ويعني أن المراوحة الفلسطينية لن تنتهي والدوران في الحلقة المفرغة لن يتوقف.

أعدت مصر خطتها لإعادة الإعمار في قطاع غزة كمدخل آخر يعزز مكانتها على الساحة الفلسطينية، لكن هذه يمكن أن تتأثر بالمشكلات الحالية بين الفصائل. فالانقسام تجاوز الأمور السياسية وأصبح ينخر كل القضايا الحياتية ويتاجر بها، لأن التوازنات الحركية لا تزال تتغلب على نظيرتها الوطنية.

8