كثرة المعلومات تضر بالحرية كالسمنة بالبدن

لقد انتقل التضييق على حرية الرأي والتعبير من أيدي دول ليقع، بفعل الشبكات، في أيد أخرى تتحرك في الفضاء الدولي دون الخضوع لمراقبة هيئات ديمقراطية.
الاثنين 2018/12/10
تخمة المعلومات

“إن حرية التفكير والنشر عندنا تتضمن حتى حرية التفكير خطأ وحرية نشر الأخطاء. لكننا لن نتصدى لتلك الأخطاء بتوظيف البوليس أو المحاكم أو التهجير أو ما هو أسوأ من ذلك…”. كان رئيس الحكومة البلجيكية آنذاك، بول هنري سباك، أحد آباء أوروبا، يوجه كلامه للسوفييت في ما سُمّي لاحقا “بخطاب الخوف”.

وكان سباك، في ذلك الخطاب الذي ألقاه في 28 سبتمبر 1948 في الجمعية العامة للأمم المتحدة في باريس، عند مناقشة مشروع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يتحدث في الواقع باسم الديمقراطيات الغربية، وكان في ذهنه كما في ذهن الآخرين معه أن الدول غير الديمقراطية هي التهديد الوحيد للحقوق والحريات ومنها حرية الرأي والتعبير.

واليوم، بعد انقضاء سبعة عقود على صدور الإعلان، لم تعد الدول وحدها تهدد تلك الحرية كما كانت تفعل بأساليب متعددة منها السيطرة المباشرة على الميديا والقوانين المكبلة وتهديد الصحافيين وتقييد مصادرهم وذرائع الأمن العام والسيادة الوطنية وسمعة الهيئات العامة ورموز الدولة وما إلى ذلك من الذرائع.

وجاءت المادة 19 في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لتؤكد هاجس الخوف على الحرية من الدول بقولها “لكلِّ شخص حقُّ التمتُّع بحرِّية الرأي والتعبير… دونما اعتبار للحدود”. وسقطت الحدود بدءا بما كان يرمز إليها وهو حائط برلين ثم تداعت الحدود المتبقية وتهاوت فهوت في أحضان الشبكة العنكبوتية. فهل استقام الأمر؟

بعد سبعين عاما من العاشر من ديسمبر 1948 تاريخ صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان جاء “الإعلان العالمي من أجل الإعلام والديمقراطية”، في الخامس من نوفمبر 2018، متحدثا في ديباجته عن الفضاء الدولي للإعلام والاتصال داعيا إلى حمايته. غريب أمر التكنولوجيا الذي يجعل الناس يدعون إلى الحماية بعدما كانوا يدعون إلى إسقاطها بتجاهل الحدود.

وما هي إلاّ مفارقة في الظاهر باطنها مساندة حرية الرأي والتعبير والنشر. فمنطق الحدود التي كانت تتحكم فيها الدول للتضييق على الحرية تستخدمه الآن جهات كثيرة لتقتطع لنفسها مجالات في ذلك الفضاء الدولي لنشر مضامين تخدمها هي وقد تسيء بها للآخرين. لذلك دعا الإعلان من أجل الإعلام والديمقراطية إلى ضرورة تنويع الأخبار والآراء وحماية التعددية والتنوع وكرامة الناس وإلى التسامح والتفاهم.

لقد انتقل التضييق على حرية الرأي والتعبير من أيدي دول ليقع، بفعل الشبكات، في أيد أخرى تتحرك في الفضاء الدولي دون الخضوع لمراقبة هيئات ديمقراطية. فالحرية ليست في الإفلات من قبضة المستبد السياسي فقط بل هي كذلك في أن تُمارس في محيط يراقبها ديمقراطيّا. إن حرية نشر المعلومات اليوم وتقاسمها على الشبكات الاجتماعية يؤدي إلى أوضاع تسيء إلى حرية التعبير كما كانت تفعل دول وما تزال.

فمن المعلوم أن الخوارزميات التي يستخدمها غوغل أو فيسبوك مثلا لا تراعي في النشر معايير تخدم القيم التي جاء من أجلها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مجال حرِية الرأي والتعبير بل معايير في النشر تجني منها أرباحا عبر الإعلان. ففي الأخبار لا تعطى الأولوية لبروز الجيّد منها الذي يخدم حق الناس في التعليم مثلا بل للخبر الذي يستهوي المعلنين حسب تصرف المبحرين.

إن تلك النظرة إلى تقدير الأمور تسيء إلى حرية تلقي الأنباء والأفكار ليس بالتضييق كما تفعل النظم المستبدة بل بتحويل وجهتها وهو ضرب من التلاعب بالمضامين كما تفعل آلات الدعاية التي كانت ظاهرة والمتخفية الآن وراء أصحاب الصفحات على الشبكات.

وكذلك تفعل مؤسسات أخرى مثل الأحزاب، أو حتى الأفراد، مستخدمة الحرية في النشر للتلاعب بعقول الناس وإدراكهم ويكون ذلك بالنشر المكثّف للشيء ونقيضه من الأخبار فتختلط الأمور ويتيه الناس حتى تضيع الحقيقة كما يجري الآن في تونس في شأن التعويضات لضحايا الاستبداد. فلا أحد يعلم إن كانت صرفت أم لم تصرف ولا أحد يعلم شيئا عن حجمها وعن مستحقيها.

إن مثل هذه السمنة الإخبارية كمثل هارب يندس في حشد متخفيّا بدل الاختباء في مغارة. ففي المغارة نعثر عليه أو لا نعثر عليه فتتجلى الأمور في حين أن المستجير بالحشد يضيع كإبرة في كوم تبن. فيوم السبت تداول عدد من رواد فيسبوك في تونس قائمة قيل إنها أسماء أشخاص قبضوا تعويضات ومن بينهم رموز يجلّها معظم التونسيين مثل الشهيدين شكري بالعيد ومحمد البراهمي وآخرين يحترمهم فريق ويمقتهم فريق.

سيصدق عدد من الناس ما جاء في تلك القائمة وقد يولّد ذلك حقدا لا على البراهمي وحده بل على فئة من حزبه وسيكذبها آخرون مفسرين الأمر بأنه من تدبير جيوش النهضة الإلكترونية للتخفيف من الضغط المسلط عليها بفعل مسألة التعويضات فتزيد نقمتهم عليها. وقد تنسب القائمة لغير صاحبها بل لمن تقاسمها فيُبلغ عنه لنشر أخبار كاذبة أو مغرضة فيغلق فيسبوك الصفحة أو يحذفها.

وتتفاقم الأمور عندما يلجأ بعض الأفراد إلى مضايقة الذي نشر أو الذين تقاسموا النشر فتتحول المضايقة إلى تهديد ثمّ إلى نكاية بأن ينشر البعض خصوصية البعض على الشبكات فتنتهك الحرمات وتتفاقم الكراهية وتضيع مرة أخرى قيم المادة 19 من إعلان 1948.

لم تكن الميديا التقليدية بريئة دائما مما يشبه تلك الأفعال بل فاقتها أحيانا في أنظمة قريبة منا وأخرى بعيدة عنا. الفرق أن الفاعلين كانوا معلومين في حين أنهم اليوم أشبه بالأشباح. في خطابه عند مناقشة الإعلان قال بول هنري سباك، بصوت أبح مخاطبا ممثل موسكو، “سنرد على الدعاية التي تنشر الخوف بدعاية تنشر الحقيقة… وستنتصر الحقيقة”. قد يكون…

18