كثرة حروب الغرب لم تعصمه من أخطاء كان يمكن تلافيها

نشر البرلمان البريطاني مرة أخرى لتقرير ثان يكشف فيه أن مشاركة بريطانيا في الحرب على ليبيا كانت “خطأ”، بعد أن أكد تقرير جون شيلكوت سابقا انعدام أيّ مشروعية للحرب التي شاركت فيها المملكة المتحدة ضد العراق، يعدّ من أبرز مبررات التشكيك في مصداقية السياسة الغربية تجاه المناطق الساخنة، خاصة وأن الفرنسيين بدورهم ينظرون إلى مجالات نفوذهم بعين الاستحواذ بالقوة تحت ذريعة الحرب على الإرهاب التي طالت أكثر من اللازم.
الخميس 2016/09/15
القوة الغربية الموجهة إلى الحرب من أجل الحرب

لندن - تقود القوى العظمى العالم منذ تشكل المحاور الرئيسية لهذه القوى بعد الحرب العالمية الثانية، والظهور القوي لأميركا على الساحة الدولية، خاصة وأنها المسؤولة عن إنهاء تلك الحرب بالقنبلة النووية، التي أعلنت دخول الولايات المتحدة إلى العالم من الباب الكبير. لكن تلك القوى الكبرى، مثل بريطانيا وفرنسا وروسيا وغيرها، لم ولن تتمكن البتة من قيادة العالم وفق قيم إنسانية يريدها الجميع، بل إن المصالح هي التي تحرك كل طرف تجاه الآخر وهذا مصدر الحروب والخلافات أو التحالفات.

خلل التوازن في ميزان القوى العالمية جعل من أطراف دولية تقود وأخرى تُقاد، أي أن الفعل يبدأ من المركز نحو الأطراف، كما كان يحدث منذ بداية الحركات الاستعمارية إلى حدود هذه اللحظة. لكن هذه القيادة المفروضة بقوة الاقتصاد والتسلح والعلم فتحت المجال أمام الغرب لممارسة الغطرسة ومواصلة منطقه الاستعماري، وكل ذلك تدلل عليه “أخطاء” ارتكبتها الآلة الحكومية موثقة في تقارير رسمية صادرة عن تلك الدول ذاتها.

ورطة بريطانية أخرى

أصدر البرلمان البريطاني، الأربعاء، تقريرا وجه فيه انتقادا شديدا إلى رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون بسبب قراره التدخل عسكريا في ليبيا سنة 2011، معتبرا أن هذا التدخل استند إلى “افتراضات خاطئة”. وقالت لجنة الشؤون الخارجية في تقريرها أن أخطاء عديدة اعترت عملية اتخاذ قرار انضمام بريطانيا إلى فرنسا في التدخل عسكريا لحماية المدنيين الليبيين من نظام العقيد الراحل معمر القذافي في 2011.

وجاء في التقرير أن حكومة كاميرون “لم تتمكن من التحقق من التهديد الفعلي للمدنيين الذي كان يشكله نظام القذافي. لقد أخذت بشكل انتقائي وسطحي بعضا من عناصر خطاب معمر القذافي وفشلت في تحديد الفصائل الإسلامية المتشددة في صفوف التمرد”.

ليست هذه المرة الأولى التي يصدر فيها تقرير رسمي بريطاني يؤكد فيه أن اتخاذ قرار الدخول في حرب ضدّ دولة ما مبني على “خطأ” أو لمعلومات استخباراتية مغلوطة، بل إن لبريطانيا سوابق في هذا المضمار. فقد صدر عن لجنة جون تشيلكوت وهو مسؤول بريطاني تقرير عرف بـ”تقرير تشيلكوت” أكد فيه أن تبرير وتخطيط وتعامل توني بلير مع حرب العراق اشتمل على قائمة من الإخفاقات.

وقال التحقيق البريطاني الذي نشر منذ أشهر إن بلير قال للرئيس الأميركي جورج بوش الابن قبل ثمانية أشهر من الغزو “سأكون معك مهما كان”، وأرسل في نهاية المطاف 45 ألف جندي بريطاني إلى المعركة دون استنفاد الخيارات السلمية. وفي السياق نفسه صرح نائب بلير، جون بريسكوت، أن بلاده “انتهكت القانون الدولي عندما شاركت في غزو العراق عام 2003”.

يقول مراقبون إن الملف الليبي بالنسبة إلى السلطات البريطانية يعدّ بمثابة ورطة أخرى بعد الورطة العراقية التي لا تزال تهيمن على المشهد السياسي البريطاني، وخاصة حزب العمال. إذ أصبحت التقارير والتحقيقات المتكررة حول اخفاقات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والعسكرية في تحديد المهمة وأسبابها والأهداف الدقيقة التي يجب أن تضرب (ووفق أي معيار) هاجسا يلاحق المسؤولين وأهالي الضحايا أيضا، حيث أكدت العديد من عائلات الضحايا أن أبناءها “ماتوا من دون سبب مقنع”.

وأضافت اللجنة البرلمانية البريطانية في تقريرها الأخير حول ليبيا أن “استراتيجية المملكة المتحدة ارتكزت على افتراضات خاطئة وعلى تحليل جزئي للأدلة”. وبحسب رئيس اللجنة كريسبين بلونت فإن حكومة كاميرون كان عليها أن تسعى عوضا عن التدخل العسكري إلى البحث عن حل سياسي يحمي المدنيين مثل إصلاح النظام أو تغييره. وقال “كان يمكن لعملية سياسية أن تتيح حماية السكان المدنيين وتغيير النظام أو إصلاحه بكلفة أقل على كل من المملكة المتحدة وليبيا”.

أخطاء البريطانيين في العراق وليبيا يمكن أن تتكرر مرة أخرى بمجرد قرار الولايات المتحدة الأميركية القيام بحرب أخرى على دولة أخرى تفقدها السيادة والأمن وتدخلها في دوامة من الحروب والصراعات كما حدث للعراق وليبيا، ولعل تلك الأخطاء في تحديد المعلومات الاستخباراتية والتأكد من صحة أسباب الحرب ليست في الحقيقة سوى فعل حكومي وعسكري صادر عن قناعة سياسية أحيطت بنقاشات عديدة وليست أخطاء.

دانيال كافشنسكي: القادة البريطانيون والأجيال القادمة بحاجة إلى التعلم من الأخطاء التي ارتكبت في حق ليبيا

ويقول عضو لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان البريطاني والخبير في شؤون الشرق الأوسط دانيال كافشنسكي لـ”العرب” إن “كاميرون ارتكب خطأ كبيرا بموافقته على استخدام الطائرات المقاتلة لدحر قوات القذافي، في الوقت الذي لم تكن فيه الأوضاع على الأرض واضحة تماما، ولا تقدم الضمانات الكافية لتحقيق انتقال سلمي بعد انهيار النظام”، وأضاف “لقد أدّى التدخل العسكري إلى المرحلة الحالية المروعة من عدم الاستقرار، ولم نستفد بشيء من دروس العراق، والقادة البريطانيون والأجيال القادمة بحاجة إلى التعلم من الأخطاء التي ارتكبت في حق ليبيا”.

ويرى كافشنسكي أن “ليبيا، بعد سنوات من عدم الاستقرار، بحاجة إلى اختيار رئيس بلا خلفيات سياسية ليحقق تماسك البلاد واستقرارها، وأفضل طريقة لذلك هي إعادة بناء نظام ملكي دستوري”.

سياسة العنف الفرنسية

ملاحظة اللجنة البرلمانية البريطانية التي تنص على أنه كان من الأجدر على كاميرون اتباع سياسة أخرى غير الحرب للقيام بتسوية مع النظام الليبي السابق وحماية المدنيين، يمكن أن تنسحب الآن على ما تقوم به القوات الفرنسية في شمال مالي من عمليات عسكرية طويلة ومكلفة من أجل محاولات القضاء على التنظيمات الإسلامية المتشددة التي تتمركز بين قبائل شمال مالي.

منذ سنة 2012، أي منذ انطلاق عملية “سرفال” الفرنسية، يقوم الجيش الفرنسي بقصف عدد من المواقع التي يسيطر عليها الجهاديون من تنظيمات مختلفة بتنظيم القاعدة وأنصار محمد وبعض المجموعات الأخرى التي تظهر وتختفي حسب المناسبات، وذلك ردا على تسرب الأسلحة الليبية إليها من المخازن التي فتحت أثناء تفكك نظام القذافي سنة 2011. لكن الفرنسيين وإلى حدود هذا اليوم لم يحققوا أي تطور في القضاء على الإرهاب، بل إن العمليات الإرهابية سجلت تزايدا في نسب وقوعها خاصة مع عمليتي ساحل العاج وبوركينا فاسو ومن قبلها عمليات إرهابية عديدة في العاصمة المالية باماكو.

ولكن في المقابل، أكد القائد الجديد للقوة الفرنسية في منطقة الساحل الأفريقية الجنرال فرانسيس كزافييه دو فولمون في واغادوغو أن الجماعات الجهادية في منطقة الساحل لم تعد تملك القدرة التكتيكية لشن هجمات واسعة النطاق، مثل السيطرة على إحدى المدن. ويأتي هذا التصريح في وقت يحاول فيه الطيران الفرنسي تعقب بعض الجهاديين على الحدود الجزائرية المالية لكن دون جدوى.

كما أعرب سفير فرنسا لدى مالي، جيل هوبرسون، في سياق محاولات إثبات عكس الفشل الذي أصبح واضحا في العمليات الفرنسية ضد الإرهاب، أنه بعد بضع سنوات من انطلاق عملية “سرفال” لطرد الجهاديين الذين استولوا على شمال البلاد بعد انتهاء مهامه، أصبحت له قناعة أن “الإرهاب في تراجع بمالي”. وأضاف الجنرال الفرنسي في ختام لقائه برئيس بوركينا فاسو روك مارك كريستيان كابوريه أنه “خلافا للانطباع الذي يمكن أن يتكون لدينا، فإن جيوش دول مجموعة الخمسة، مالي وموريتانيا وتشاد والنيجر وبوركينا فاسو، تحقق نجاحات كبيرة ضد الجماعات الإرهابية”.

لكن ارتباك الجنرال الفرنسي سرعان ما ظهر في الندوة الصحافية التي ختم بها زيارته لبوركينا فاسو، حيث استدرك قائلا إن داعش “ربما يكون قد شهد توسعا في منطقة غرب أفريقيا” وأضاف أن “توسع تنظيم الدولة الإسلامية ظاهرة عالمية”. وقال دوفولمون “نرى في هذه المعركة العالمية في الساحل وأيضا في سوريا وليبيا أننا نستطيع توجيه ضربات قاسية لهم”. وتابع “بإمكانهم القيام بعمليات تحظى بتغطية إعلامية لكننا سننتصر في هذه الحرب”.

ولكن وفي سياق مقابل، تؤكد آراء بعض الفرنسيين أن الاستراتيجية العامة للجيش الفرنسي “تحتاج” إلى جهاديين في منطقة الساحل والصحراء، لأن ذلك يعد بوابة لفرنسا حتى تحافظ على مصالحها في المنطقة وتجد مبررا لها في الانتشار العسكري المسلح، كي لا يصبح المجال الأفريقي منطقة نفوذ لقوى أخرى لعل أهمها أميركا أو الصين.

ويسجل عدد من الخبراء العسكريين ملاحظاتهم حول طول الفترات الزمنية التي تستغرقها جيوش تابعة لدول عظمى في العالم، كي تقضي على مجموعات صغيرة مثل داعش حيث تسيطر على أجزاء من أراض مكشوفة. ويقول الخبير العسكري المصري اللواء حمدي بخيت إن “التحالف الدولي ضد الإرهاب الذي تقوده الولايات المتحدة أثبت فشله على الأرض لأن نواياه ليست موجهة فعلا إلى القضاء على التنظيمات الإرهابية”.

7