كذب السياسيين موضوع روائي

رواية تتخذ من كذب السياسيين موضوعا لها وتجمع بين السخرية والغضب في رؤية الأحداث، فكان النص وكأنه واحد من مقالات يومية تتناول الفساد والخراب في العراق.
السبت 2019/04/20
لماذا يكذب السياسي

فاجأتني سلمى الجنابي، وهي أكاديمية عراقية مهاجرة، بمخطوطة روائية، وما عرفته عنها من قبل، لكونها لم تتجاوز في كتاباتها، الموضوع التربوي وبعض مقالات في السياسة، وها هي تكتب روايتها الأولى، وطلبت مني أن أبدي رأيا فيها، قبل أن تقدم على نشرها.

لقد اختارت لمشروعها الروائي هذا، الكذب موضوعا، وتحديدا كذب السياسيين، إذ تمثلت عددا من السياسيين العراقيين الذين تسنموا مسؤوليات كبيرة منذ احتلال العراق سنة 2003، ورصدت ما صدر عنهم جميعا، من كذب سياسي وغير سياسي، بعد أن جمعتهم في شخصية واحدة أطلقت عليها اسم “عبود العبود” ووظيفته “قائمقام طويريج”، ونتجت عن هذا الجمع الذي لا يخلو من طرافة، شخصية كاريكاتيرية مدججة بالكذب والاحتيال والخيال المرضي، حتى أن العنوان الملائم للكتابة عنها هو “السياسي الكذاب موضوعا روائيا”، غير أنني تجاوزته واستبدلته بعنوان آخر، لكونه صادما ويكاد يكون غير ثقافي.

 ورغم أنها لم تشر إلى الأسماء الحقيقية من سياسيي الحقبة الراهنة في تاريخ العراق، ممن جمعتهم في شخصية عبود العبود، غير أن أي قارئ يتابع الشأن العراقي يمكنه أن يعرفهم بيسر من دون أن يخطئ في تحديد الأشخاص من خلال ما رصدته الكاتبة من كذبهم الذي صار شائعا، ويتناقله الناس في مجالسهم ساخرين مستهزئين وناقمين، بل كان بإمكاني أن أذكر أسماءهم في سياق ما أكتبه الآن، غير أن ذلك يبعد كتابتي عن فضائها الثقافي ويحولها إلى نوع من الهجاء السياسي.

إن هذه المحاولة الروائية قادتني إلى سؤال، لماذا يكذب السياسي، فعدت أو عادت بي ذاكرتي إلى حوار مع الأكاديمي العراقي البارز الباحث حسن البزاز، الذي تحدث عن هذا الموضوع بالقول: رأى ميكافيلي، في كتابه الأشهر “الأمير” أن السياسي لا ينتصر بالقوة وحدها، بل بالحيلة والخديعة أيضا، حيث الغاية تبرر الوسيلة، وهذا ما يجعله بعيدا عن القيم والأفكار والممارسات الأخلاقية التي نؤمن ونتعامل بها.

إن بعض السياسيين يمارسون الكذب من دون وازع أخلاقي، بل نجد منهم من يسوغ ممارسة الكذب مستشهدين بمقولات مفكرين وفلاسفة، كما عند أفلاطون في مقولة “الكذب النبيل” وفولتير في مقولة “الكذب له قيمة”، وغيرهما مثل الفارابي وميكافلي، بعد الفصل بين هذه المقولات وظروفها الخاصة، بل وجوهر ما تعنيه، فتتحول إلى مسوغ للكذب الرخيص، كما هي عند عبود العبود، قائمقام طويريج، في مشروع رواية سلمى الجنابي، وهو كما ذكرت من قبل مجموعة سياسيين من الواقع في شخصية روائية واحدة.

أما الشاعر والكاتب ومستشار الطب النفسي ريكان إبراهيم، فيرى السياسي الكذاب من وجهة نظر سايكولوجية بقوله: اللف والدوران ومداعبة انخفاض وعي الناس وطفولة العقل الجمعي، فنحن في المجال العام، نعد مثل هذا السلوك خطأ ولعبا على الحبال، بينما هي عند السياسي، سلوك له ما يسوغه، فالوعود الزائفة والتسويف والمداورة، سمات تشيع في علم النفس المرضي على أنها سمات لشخصية مضطربة، بينما يعدها السياسي سلوكا مشروعا لتمرير مخطط الوسائل وصولا إلى الهدف.

ويواصل قوله: لا علاقة لثقافة السياسي بكذبه، فقد تجد سياسيا مثقفا لا يستحي من كذبه.

لقد ابتعدت في ما كتبت عن ذكر اسم الرواية، لأنها لم تكتمل بعد ولم تحدد الكاتبة عنوانا نهائيا لها، مع أنها اقترحت أكثر من عنوان، كما أنها لم تتجاوز في أحداثها، الأحداث التي اقترنت بأشخاصها الذين جمعتهم في شخصية عبود العبود، كما أنها جمعت بين السخرية والغضب في رؤية الأحداث، فكان النص الذي أطلعتني عليه يتسم بكثير من التبسيط، وكأنه واحد من مقالات يومية تتناول الفساد والخراب في العراق، لكن ربما تعيد الكاتبة كتابة روايتها مستفيدة من ملاحظات كثيرة جاءت من مثقفين جادين ممن عرضتها عليهم.

14