كرامة السياسيين أولا ولاحقا تأتي حرية الإعلام في لبنان

جورج قرداحي يريد إعلاما رومانسيا بعيدا عن انتقاد السياسة والواقع.
الأربعاء 2021/09/29
لا نقابة ولا سلطة تحميان الصحافة في لبنان

استبدل وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي مبدأ محاسبة الصحافة للسياسيين، بمحاسبة الصحافة نفسها على انتقادها للسياسيين، متجاهلا كل الانتهاكات التي يتعرض لها الصحافيون والتهديد المتزايد لحرية الإعلام في البلاد.

بيروت - انتقد وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي وسائل الإعلام في بلاده معتبرا أنها تمارس “اعتداء على كرامة السياسيين”، في تصريح جديد مثير للجدل لاسيما في وقت يزداد فيه استياء الشعب اللبناني من الطبقة السياسية وتحميلها مسؤولية أزمات البلاد الكارثية.

وجاءت انتقادات قرداحي خلال لقائه وفدا من نقابة محرري الصحافة اللبنانية، برئاسة النقيب جوزف القصيفي، تم خلاله استعراض شؤون القطاع الإعلامي وبحث قانون الإعلام الذي يجري الحديث عنه منذ سنوات دون التوصل إلى صيغة ترضي جميع الأطراف.

وأشار قرداحي إلى أن “هناك شكوى كبيرة من السواد الأعظم من اللبنانيين من تفلت بعض الإعلام”، مؤكدا أنه “سيعمل على دراسة وإعداد ميثاق شرف إعلامي مع زملائنا الإعلاميين يهدف إلى احترام كرامة وحريات وحيثيات الآخرين بالإضافة إلى دراسة قوانين أخرى موجودة في اللجان النيابية”. وأضاف “إننا مقبلون على مستقبل جديد فلنُرسِ أنظمة وقواعد للإعلام اللبناني على المدى البعيد”.

سامي كليب: نخشى من خطط مدروسة لتكميم أفواه الإعلاميين وتدجينهم

واستهجن صحافيون وعاملون في قطاع الإعلام اللبناني تصريحات قرداحي التي تنتصر للسياسيين وتصادر حرية التعبير ومبدأ أساسيا للصحافة وهو مساءلة ومحاسبة الطبقة السياسية، خصوصا في بلد مثل لبنان تعتبر فيه صحافة المساءلة ذات أهمية قصوى بسبب الفساد المستشري في البلاد والأزمات الاقتصادية التي تسبب بها السياسيون.

ويبدو قرداحي متمسكا بموقفه المنتقد لحرية التعبير في الإعلام رغم الجدل الواسع الذي أثارته تصريحاته السابقة عند تسلمه منصبه، والتي دعا فيها لعدم استضافة “المبشرين بالجحيم” في الشاشات اللبنانية.

ورأى البعض أن الإعلام اللبناني مقبل على موجة جديدة من القمع، وقال الإعلامي سامي كليب في تغريدة على تويتر “نخشى أن تكون ثمة خطط مدروسة لتكميم أفواه الإعلاميين وتدجينهم، لذلك يجب عدم السكوت وتعزيز التواصل مع المؤسسات الدولية المدافعة عن حرية الإعلام والإنسان”.

واستنكر تجمّع نقابة الصحافة البديلة ما صدر عن قرداحي في أول تصريح له، معتبرا أنّه “سمح لنفسه بلعب دور الوصي على وسائل الإعلام وتحديد ما يجب أن يقال وما يجب أن يحجب، عبر دعوة وسائل الإعلام إلى عدم استضافة المحللين الذين أشاروا إلى المحاصصة المكشوفة في تشكيل الحكومة”.

وحذر التجمّع السلطة من مغبة لعب هذا الدور، داعيا إلى “احترام الحريات الإعلامية”، ومؤكدا أن “محاولات تحويل لبنان إلى دولة أمنية سيتم التصدي لها من قبل الإعلاميين أولا”. وذكّر التجمّع بضرورة إلغاء وزارة الإعلام أسوة بالبلدان الديمقراطية التي تحترم حرية التعبير.

وقدمت وزارة الإعلام منذ أشهر تعديلات جوهرية على اقتراح “قانون الإعلام” لحماية جميع الصحافيين والإعلاميين، بانتظار إقرارها في مجلس النواب، لكن لم يتم إقرارها.

وتعزز التعديلات حماية الصحافيين والإعلاميين من أي انتهاك أو تضييق قد يتعرضون له، وتلغي محكمة المطبوعات، بحيث تُحال أفعال الإعلام أمام محكمة مختصة بالإعلام، حيث توسعت الانتهاكات بحق الصحافيين والناشطين من خلال حملات تحريض وتهديد على مواقع التواصل، واستدعاءات أمنية ودعاوى قضائية، وكلها تهدف إلى الحد من الحريات ونقل الحقيقة، لكن التوجهات الجديدة لوزير الإعلام يبدو أنها لن تسير لصالح حرية الصحافة والإعلام في البلاد، مع كيل الاتهامات لوسائل الإعلام وتبرئة السياسيين وإعطائهم دور الضحية من قبل الإعلام المنفلت.

ولم يخفِ قرداحي توجهاته لتقويض النمط القائم على حرية التعبير في الإعلام، الذي يكفله الدستور اللبناني، متحدثا عن ضوابط للإعلام ويطالب بأن تكون نصوصا ضمن القانون المزمع إقراره.

Thumbnail

وقال “أريد إعلاما على صورة لبنان الذي نعرفه، لبنان الرحابنة وفيروز. فهذا هو لبنان الجميل وليس لبنان الذي يشهد نوعا من التفلت بسبب الظروف التي مر بها بلدنا من كورونا والتحركات الشعبية”. وأسف قرداحي لـ”تضعضع ومصادرة القيم التي تربينا عليها”، مشددا على “المبدأ الأساسي للإعلام وهو الحرية التي نقدسها، لكن حرية المرء تقف عند حدود حرية الآخرين. وهذا مبدأ عالمي فلا يجوز انتهاك حريات وحرمات الناس والاعتداء عليهم بالإشاعات المغرضة وبالشتائم أحيانا”. وقال “لا يوجد إعلام في العالم يسمح بهذا الأمر فهناك قوانين تضع ضوابط كفرنسا مثلا التي هي أم الحريات حيث لا يمكن الاعتداء على كرامة السياسيين”.

والمفارقة هو تجاهل وزير الإعلام التام لمشاكل وأزمة الصحافة والإعلام في بلاده والانتهاكات التي يتعرض لها الصحافيون من قبل الطبقة السياسية التي يدافع عنها. فبعد عقود من تميز لبنان بحرية الصحافة مقارنة بالبلدان العربية المحيطة به، شهدت هذه الحرية انتكاسة غير مسبوقة في السنوات الأخيرة وانعكست تضييقا للخناق على اللبنانيين الذين يعانون أزمة اقتصادية وسياسية مستفحلة.

وشكت ألسي مفرّج عضو تجمع “نقابة الصحافة البديلة” (مستقلة) من أن التضييق على الصحافيين ازداد أخيرا ووصل إلى حد استدعائهم من المحاكم العسكرية واستخبارات الجيش.

وفي يناير الماضي طوقت دورية للجيش اللبناني مبنى محطة “الجديد” التلفزيونية الخاصة بالعاصمة بيروت، بهدف توقيف أحد صحافييها على خلفية مقال له حول التحقيقات الجارية في ملف انفجار مرفأ بيروت. وازدادت هجمات الجيوش الإلكترونية التابعة لأحزاب السلطة (التي يدافع عنها قرداحي) ضد الصحافيين على مواقع التواصل، في محاولات للضغط عليهم كي لا يُعبروا عن رأيهم.

الصحافيون يواجهون في لبنان أشكالا متعددة من الترهيب والقمع، أبرزها الاعتداءات المباشرة التي طالت مراسلين ومصوّرين أثناء تأدية عملهم الصحافي وتغطياتهم الميدانية

ولفتت مفرج إلى أن ترهيب الصحافيين قد يكون هدفه الحد من قيامهم بدورهم في نقل الحقائق في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة. وذكّرت بالانتهاكات التي تعرض لها الصحافيون من جانب القوى الأمنية أثناء تغطيتهم للاحتجاجات الشعبية. وآخر انتهاك أثار ضجة واسعة في الأوساط الصحافية في لبنان قبل حوالي أسبوعين حينما منع القصر الرئاسي مراسلة “الجديد” ليال سعد من التغطية في المقر الرسمي.

وقال المسؤول الإعلامي في مركز الدفاع عن الحريات الإعلامية والثقافية “سكايز” جاد شحرور إنّ “الصحافيين يواجهون في لبنان أشكالا متعددة من الترهيب والقمع، أبرزها الاعتداءات المباشرة التي طالت مراسلين ومصوّرين أثناء تأدية عملهم الصحافي وتغطياتهم الميدانية، سواء من قبل العناصر الأمنية أو حرس مجلس النواب قبل أن نرصد في الفترة الأخيرة ممارسات لم تعد تقتصر على الأجهزة الأمنية، بل انضم إليها مناصرو الأحزاب وأشخاص يتمتعون بحمايات حزبية لتصل إلى الضرب والطعن بالسكين، عدا عن المضايقات والشتائم التي تنهال على الصحافيين، ولاسيما الصحافيات، عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتهديدات التي تطرق أبوابهم”.

وغابت هذه الانتهاكات عن نقاشات لجنة الإعلام والاتصالات التي عقدت جلسة الاثنين برئاسة النائب حسين الحاج حسن، وحضور وزير الإعلام جورج قرداحي، ووزير العمل مصطفى بيرم، حيث اكتفت بعرض مقترحات للدراسة تضمنت اقتراح القانون المعجل المكرر الرامي إلى السماح للصحافيين غير المرتبطين بعقد عمل الانتساب إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي قرر المجلس إحالته في جلسته المنعقدة بتاريخ الثلاثين من يونيو 2021 على لجنة الإعلام والاتصالات. واقتراح القانون الرامي إلى تنظيم المواقع الإلكترونية الإعلامية المقدم من النائب حسين الحاج حسن. وسوف تتابع اللجنة درس هذه المواضيع في جلسة تحدد لاحقا.

18