كراهية العراقيين لحكامهم الديمقراطيين

الأربعاء 2015/04/29

حالة طبيعية أن تكره الناس حاكما دكتاتوريا، لكن أن يكرهوا حاكما ديمقراطيا، كرها لأبعد مدى، فتلك سابقة في تاريخ السياسة العراقية، وأن يكره الناس سياسيين هم جاؤوا بهم، فتلك حالة نادرة في التاريخ.

التحليل السيكولوجي يفيد بأن العراقيين ينفردون في طبيعة علاقتهم بالحاكم. فمنذ بداية تشكيل الدولة الإسلامية كان الخلفاء الراشدون يراعون العراقيين في التعامل ويأخذون اعتراضاتهم مأخذ الجد. وحتى قبل الإسلام، كان العراقيون يوصفون بأنهم ما استسلموا لضيم وما رضخوا لظالم ولا انبطحوا لسلطة، ولهذا كانت اعتراضاتهم على الولاة متكررة. ولدى الجاحظ تفسير لاعتراضاتهم هذه بقوله “والعلّة في عصيان أهل العراق على الأمراء، أنهم أهل نظر وذوو فطنة ثاقبة، ومع الفطنة والنظر يكون التنقيب والبحث. ومع البحث يكون الطعن والقدح والترجيح بين الرجال والتمييز بين الرؤساء وإظهار عيوب الأمراء، وما زال العراق موصوفا أهله بقلة الطاعة والشقاق على أولي الرئاسة”. ذلك لأنه البلد الذي تؤخذ فيه السلطة بالقوة المصحوبة بالبطش بمن كانت بيده، والبلد الذي نشأت فيه أكثر المدارس الفكرية تأثيرا (البصرة، الكوفة، بغداد، أهل الصفا، المعتزلة، والمذاهب الخمسة) التي نجم عنها سيكولوجيا الخلاف مع الآخر والميل إلى الجدل.

كراهية العراقيين لحكّامهم “الديمقراطيين” نجمت عن كارثتين: أخلاقية وسياسية. فالسياسي الذي قصد الناس قبيل الانتخابات يدعوهم إلى انتخابه (وبينهم لابسو عمامة) كان في وعده لهم بتحقيق ما ينتشلهم من واقع بائس. عملية أخلاقية تعني في عرفهم الاجتماعي “كلمة شرف”، لكنه جعلهم خلف ظهره بعد أن “فوزّوه” ونكث وعده، وفي سلوكه هذا مخادعة.

والسياسيون الخضر، نسبة لمنطقتهم، انقسموا إلى فرقاء، وتخندقوا كل يدّعي أنه الأحق بحكم العراق، مع أنه جيء بهم ليحكموا، تاركين ناس العراق في قرى أشبه بمستوطنات للأمراض والتخلف، ومدن لها منها الاسم فيما واقعها عاد لما قبل قرن، وأطفال يفتّشون في القمامة عن لقمة خبز في بلد الخيرات، وخمسة ملايين في بقاع العالم يعانون الغربة عن وطن أحبوه، ومليونان ونصف نازح.

الحقيقة المرّة أن الحكّام “الديمقراطيين” كانوا قبل التغيير يصفون أنفسهم بالمناضلين، والمناضل يعني أنه في خدمة الشعب، وإذا بمعظمهم يفلس اعتباريا ويزداد الشعب شقاء بوجودهم، وهذا عكس المنطق، إذ يفترض أن ينال المناضل تقدير الناس حين يكون في السلطة، وما حصل أن “المناضلين” خسروا أنفسهم، والشعب خسر عشر سنوات ستتبعها أخرى ما دامت الانتماءات للطائفة، التي أذكوها، شغّالة.

التحليل السيكولوجي لهذا النوع من “المناضلين” أن طبيعة شخصياتهم من الصنف الخطر على الديمقراطية، لأن النظام الديمقراطي يؤمن بمبدأ التداول السلمي للسلطة، فيما داخله السيكولوجي يدفعه نحو تمسك بها يؤدي إلى طغيانه. وهناك فرق بين مناضل يعدّ إسقاط سلطة استبدادية غاية، وبين من يعدّ إسقاطها وسيلة لغاية أسمى هي خدمة شعب وازدهار وطن. ولقد أثبت الواقع أنهم كانوا منضوين في معارضة عملت من أجل نفسها وطموحات قادتها.

قد يهون الأمر لو أن المناضل لم يلتزم بمعيار “خدمة الناس”، لكنهم جعلوا العراقيين يعيشون في محن صنعوها ويستمرون في إعادة إنتاجها، ولا نية لديهم لمعالجتها، لأنهم لا يملكون عقولا تخطط وتضع إستراتيجيات كما تفعل حكومات بلدان الجوار مثلا. فعشرات آلاف الخريجين من حملة البكالوريوس ظلوا بلا عمل يوم وصل برميل النفط 147 دولارا، وصارت ميزانية العراق تعادل ميزانيات ست دول عربية، مضاف إليهم عاطلون بلغت نسبة المهندسين بينهم أكثر من خمسين بالمئة، فضلا عن مدن خربة، وقرى موبوءة، وعاصمة كان الشعراء يتغنون بجمالها تحولت إلى أخطر وأوسخ مدينة في العالم، وسياسيون صريحون وآخرون بأقنعة مقاولين تحولوا إلى “حرامية” في شبكة من أبشع وأجشع مافيا في تاريخ الفساد بالعراق، وحكومات لم تعمل حسابات ختامية منذ العام 2003. وسكوت عن محاسبة فاسدين آخره صمت رئيس الوزراء الذي وعد بمحاسبتهم وأعلن اكتشافه آلاف الفضائيين، فما وضع في القفص فاسدا ولا قبض على فضائي وأنزله الأرض، والسبب معروف هو أن حيتان الفاسدين ورواد الفضائيين موزعون عليهم.

كراهية العراقيين لحكامهم الديمقراطيين مشروعة لأنهم ما اهتموا بأحوالهم التي زادوها سوءا. فكلّ فريق منشغل بعسكرة حزبه وعشيرته ومتملقيه، غير مكترثين بحال لن يطيقوا العيش فيه شهرا، فيما العراقيون تحملوا فواجع عشر سنين ختمها الديمقراطيون بأن فتحوا عليهم جهنم داعش، وانشغلوا بتبادل التهم والوطن يحترق.

هي كراهية مستحقة، فحتى الرموز الدينية جاملت على حساب وجع العراقيين، آخرها ما صرّح به عمار الحكيم في 24 أبريل الجاري متسائلا بألم “أليس من تفسير واضح لإنفاق مئات المليارات من الدولارات في السنوات الأخيرة؟”، مع أنه كان في قلب العملية السياسية، ويعرف أنها حرام وصمت.

ليس صحيحا ما قاله كاتب أميركي قبل سنتين إن العراقيين أغبياء لقبولهم بحكامهم الحاليين، وله نقول أن العراقيين كانوا من قبل الإسلام، يوصفون بأنهم ما استسلموا لضيم ولا انبطحوا لسلطة، ونؤكد لو أن أميركا رفعت حمايتها لهم لرأيت كيف سيفرّون من غضب العراقيين إليكم وإلى حلفائكم، فضلا عن سبب آخر يجعلهم يصبرون: خوفهم أن يطاح بنظام ديمقراطي، وهذه أوجع حالات التناقض التي يعيشها العراقيون: أن يكرهوا شيئا هم في حاجة إليه.

رئيس الجمعية النفسية العراقية ومؤسسها

9