"كرة الثلج" رواية تعرّي تحالف السياسة والمال والرصاص

السبت 2013/12/21
اللغة عند عبد الرحيم جيران تتنفس في أجواء النسبية والتشكيك

في رواية “كرة الثلج”، لعبد الرحيم جيران، تتجلى لنا التجربة الإنسانية من زاوية كونها المادة التي تشتغل عليها، وإن بأساليب مختلفة؛ حيث تتداخل لغة الإبداع والفلسفة. وفي هذا الإطار يكون من الصعب على القارئ -إن لم نقل استحالة- وضع حدّ فاصل بين الشعر والنثر من جهة، وبين الرواية والفلسفة من جهة أخرى. كل هذه الأسئلة المتمحورة حول مفهوم اللغة والحقيقة والواقع، سنحاول مقاربتها من خلال اعتماد قراءة تأويلية لبعض المقاطع النصّية من رواية “كرة الثلج” لجيران الصادرة عن دار الآداب ببيروت.

تتم الكتابة في هذه الرواية من داخل وعي كاسح ولاذع بذاتها، بوصفها كتابة، فلا مجال هنا لتكرار بعض الأفكار عن الكتابة النابعة من لحظة مواجهة البياض. صحيح أن بياض الورقة وفراغها قد يستحثان الذات، ويحفزانها على ملئهما.

لكن هذا لن يدحض الرأي المحقق بأن الذات لا تقدر على وشم البياض إلا إذا توفقت مسبقا في كتابة العالم بداخلها (أي داخل ذهن الكاتب، وذلك بعد التفكير في معطياته انطلاقا من تجربة ما، ثم إعادة تنظيمها ذهنيا وفق أعراف وتقاليد جنس أدبي ما، وهذا ما ذهب إليه الناقد عبد اللطيف محفوظ في كتابة “سيميائيات التظهير”؛ إذ بيّن -من خلال تفاعله الهام مع سيميائيات شارل سندرزبيرز- أن “الدليل التفكري” لا يمكن القفز عليه والمرور مباشرة إلى النص المكتوب أو “النص الإظهاري”.


عالم يتدحرج


تتألف الرواية من فصلين معنونين على التوالي بـ”الدحرجة الأولى” و”الدحرجة الثانية”. تتدحرج الكرة إذن لمرتين متتاليتين لتكشف عن حظ المقامرين في لعبة لن يربح فيها أحد.

تترابط الصور والأحداث والأفكار لتتدحرج بعنف في ذاكرة الفراغ، في بؤرة عميقة من ذاكرة الأم

في المرة الأولى تندفع الكرة من خلال المتواليات السردية المتدحرجة بقوة، دون مقاطع أو فقرات، وباستخفاف تامّ بشكليات الكتابة بما في ذلك الرغبة في التخلص من قواعد الترقيم. هذه المغامرة تجد ملاذها في تقنية التداعي الحرّ، حيث تترابط الصور والأحداث والأفكار لتتدحرج بعنف في ذاكرة الفراغ، في بؤرة عميقة من ذاكرة الأم. ونجد الدوار والدوران العنيفين نفسيهما للذكريات والأحداث في الفصل الثاني، من وجهة نظر الذات الساردة، المتمثلة في الابن الصادق.

ويحق لنا أن نتساءل عن اليد أو القوة التي تقف خلف فعل الدحرجة الأولى والثانية. هل إنها نظام سياسي أو اجتماعي؟ هل إنها إنسان أو قوة غريبة يصعب إدراك كنهها؟ هل هي أحداث مارس 1965 بالدار البيضاء، والتي عدّها الصادق الشيء الوحيد الحقيقي في كل ما روته أمه من خرافات، “فكل الأحداث التي روتها هي سائبة حرّة من دون تواريخ، اللهم إلا ما حدث في 1965، أم إن هذه القوة لا يمكن تلمس ملامحها إلا بالتفكير في وحدة المصير المرتبط بزمن التقنية والاستهلاك، وهو ما تحدّث عنه الصادق وهو يصف معاناة أمه “ورأت العالم من خلال خسة الحديد وعصره الرديء وصدئه”. هل إن الأم (السارد الأول) والابن (السارد الثاني) مجرّد ضحايا لهذا القدر المحتوم، مجرّد رمزين لضياع ممتدّ في الزمن والمكان. فلنستمع إلى صوت الأم في مطلع الرواية: “ألتمس العذر منكم إن أنا قصصت عليكم تفاصيل لحظة شاردة من زمن سقط من الزمن، أنتم الذين هناك في مكان ما، ولا سابق معرفة لكم بي، ولا تتقاسمون معي حيزي هذا الذي حدوده بالنسبة إليّ هي حدود العالم”. يعلن النص بصريح العبارة أن تجربة التدحرج لا تخصّ الأم وحدها، بل إنها تخصّ العالم بأسره.


دوران في الفراغ

ثمة ارتباط متين بين سؤال الحقيقة وسؤال الكتابة


يمكنني الدفاع عن فكرة فحواها أن أيّ خطاب إبداعي يتضمن نصا أو أكثر له قدرة تمثيلية للنص أو الرسالة السردية بأكملها. وفي حالة الرواية موضوع هذه القراءة، أعتقد أن النص التالي يلعب هذا الدور، تقول الأم وهي تحيل إلى ما اصطلح على تسميته بسنوات الجمر والرصاص: “… ربما كانت سنة 1965، وبالضبط في شهر مارس؛ أغلق الجيران بيوتهم بعد أن رأوا من دون أن يفهموا ما يحدث، جنودا في هيئة مجانين، يدخلون الزقاق ببندقياتهم والرصاص ينطلق منها، وظهرت خلفهم كائنات حديدية ضخمة ثقيلة خضراء اللون، ذات مواسير في المقدمة، ليست لها نوافذ زجاجية، وفوقها يظهر جنود يجلسون على ظهرها مثل دابة… بطبيعة الحالة ما كنت لأراها من الباب، وسيكون من السخف فعل ذلك، لذلك صعدت إلى السطح، وأطللت عليها، ظانة أني في مأمن، لكنني كنت مخطئة، فما إن رآني أحد الجنود حتى صوب اتجاهي رصاصة أفلتت رأسي قليلا، أو أفلتتها يد خفية…”.

هذا المقطع هو المحور الذي تدور حوله كرة الثلج ومدارات السرد كلها. ودون الانتباه إليه لن نستطيع الإجابة عن السؤال المتعلق بمن الذي يدحرج كرة الثلج، سواء في الدحرجة الأولى أو الثانية. فالنص بما له من قدرة على عكس المعاناة والدوران في الفراغ للأم وابنها، فهو إنما يشير بلغة قوية إلى دخول المجتمع، أو بالأحرى غرقه، في منظومة قيم الحديد الجديدة، التي يتحالف فيها المال والسياسة والرصاص والسيارة والمحكمة والموت؛ غير أن هذه المنظومة تتجاوز كونها مجموعة سلوكات وقوانين خاصة بفئة أو طبقة اجتماعية، لتصبح نمطا وجدانيا وحياتيا يخترق المجتمع أفقيا وعموديا، بل يحكم مسيرة الإنسانية كلها. إنها حياة الإنسان المعاصر، ببيئته الشبيهة بجدران من الإسمنت المسلح بالفولاذ، لذلك تتحدث الأم عن ابنها بلغة صريحة صراحة الحديد “لم يعد الصادق الصادق الذي كانه، بل صار صادقا آخر.


طريق الأنفاق


زمن الفولاذ أدخل الكائنات في تناقضات شديدة مع بعضها ومع نفسها، لقد أفرغها من نقاط الارتكاز التي لا محيد عنها لتحقيق أيّ تواصل مع الذات والآخر. لذلك فالأم وابنها يتحدثان عن الأشخاص ذاتهم والحقائق ذاتها بلغات متضاربة، كأن لا شيء يجمع بينهما. وهذا ما يفسر غياب حدث مركزي أو رئيسي في الرواية؛ إن الشخصيات تشبه جزرا متجاورة لكنها صماء تجاه بعضها.

أما الحديد ومستخرجاته الأخرى من مال ورصاص وسيارات ودبابات وسلاح فهو البطل الحقيقي للرواية. وبالتعارض التام مع أمه، التي تشعر بأن الحديد بترها من زمنها الفردوسي، فإن ابنها (الصادق)، باسمه المشحون بالسخرية، فهو كذاب ونصاب ومنتحل شخصيات، لا يفتأ يشغل عبقرية مكره ليؤمن لنفسه موطئ قدم في أرض الفولاذ، خاصة حيث يجلس في مقهى “الوحدة”، حيث يدّعي أنه طبيب ليوقع الآخرين في شباكه، متفننا في تطبيق تعاليم الحديد ودروسه. أما المفارقة الساخرة فتتجلى في أنه هو الذي وقع في شباك “خالدة” وابنتها “خلود”، وهما أكثر منه إيغالا في أرض الفولاذ، فهل زمن الفولاذ خالد لا يزول كما يوحي بذلك اسماهما؟

قد جعل الحديد – بوصفه البطل المحوري للرواية الذي تتأثر به الشخوص انجذابا (كما هو حال الصادق وخالدة) أو نفورا (كما هو حال الأم وزوجها)- المجتمعَ منقسما على نفسه وجدانيا، من دون وعي بخطورة المغامرة الفولاذية التي تصوغ محتواه. هذه الحالة لخصها الصادق في قوله “أنا لا أختلف عن بقية المغاربة حين يفكرون، فأنا موزع بين رأسين… أحدهما يأمرني بفعل كذا، والآخر يأمرني بالعكس…” .

يتبين كيف أصبح التناقض سمة لصيقة بالذوات، لا تسلم منه حتى علاقة الأمومة والبنوة؛ فالأم، على عكس ابنها، ترى الحقائق الأسرية بشكل مغاير، لدرجة أننا لا نعرف معها من منهما يقول الحقيقة، وهو ما أشار إليه الصادق بقوله “..وبإيجاز: ما نسبته والدتي إليّ هو في مجمله غير حقيقي، والأمر نفسه وارد بالنسبة إلى بقية أفراد أسرتي، فهم ليسوا كما روت، فقد وصفتهم على غير ما هم عليه، فقد أهملت الخياطي أخي الأكبر…”. على هذا النحو تدخل الرواية القارئ في ورطة لعبة المعنى، وتشرع أمامه أبواب اللامعنى، فمن الذي يقول الحقيقة: أهي الأم الكارهة للحديد، أم الابن العاشق للحديد والذي يقول عن أمه أنها “رأت العالم من خلال خسة الحديد وعصره الرديء وصدئه”.


في انتظار الفردوس


ثمة ارتباط متين بين سؤال الحقيقة وسؤال الكتابة. وبتوافق مع ما طرح في بداية الورقة حول تأزيم عبد الرحيم جيران لمقولة النقد بوصفه حاملا الحقيقة؛ فالكتابة عنده هي الأخرى تتنفس في أجواء النسبية والتشكيك. ولا نستغرب حين نجد السرد -في الدحرجة الأولى والثانية-، يتقدم بصخب صامت، فالشخصيات ترسل صراخها لكنها تبدو كأنها لا تقول شيئا، فهدير السرد لا يحجب عزلة الشخوص الرئيسية وصمتها المطبق. أما باقي الشخصيات فهي تظهر وتختفي، مثل جزر عابرة في بحر من الفولاذ الهائج، وقد عبرت الأم بدقة عن هذا الوضع بقولها “من لم يجرب الوحدة لا يعرف كم هو مؤلم وخزها… الوحدة، لا الفضول، هي التي تدفعني اليوم إلى عدم التوقف عن الكلام”.

تكاد أصابعنا تلمس هذا الانقلاب في طبيعة الظواهر، حتى أن الكائن، المتوحد مع عزلته، لا يجد عزاءه إلا بتوسله واستجدائه حميمية ما من الأشياء المحيطة به، لعلها تعوضه عن كينونته المبتورة، المغتربة عن أيّ حقيقة ممكنة، يقول عبد الصادق “وحين يضمحل الغد لا يكون الماضي سوى فراغ مميت، فكيف يحكي المرء الفراغ..”. فما الذي تبقى للكائنات؟ مجرد كلام يتدحرج في الكلام وعبره، على أمل التخفيف من وطأة الفراغ الشامل.

17