كرة القدم أو حق المرأة في العنف

ما جعل كرة القدم تظل حكرا على الرجال، هو “العنف” الذي يميزها، فهي لعبة تحتاج لقوة بدنية ودفاعية عالية المستوى، الأمر الذي لم يكن متوفرا للنساء.
الخميس 2018/06/21
كسر احتكار الرجل للعنف والصراع

في طفولتي كانت لدينا جارة غريبة الأطوار، أو هذا ما بدا لنا في ذلك الوقت. وسبب غرابتها هو ولعها الشديد بكرة القدم التي كناّ نعتبرها في تلك الحقبة لعبة رجالية بامتياز. كانت جارتي تذهب إلى الملاعب متزينة بالأعلام والقبّعات الملوّنة، وتتكلم عن الكرة كما يفعل الرجال مستعملة قدميها ورأسها في وصف المحاولات الكروية الضائعة، وتجلس أمام التلفزيون بالساعات لتتابع كل ما يبثّ عليها من مقابلات دولية، وتعرف أسماء الفرق واللاعبين واحدا واحدا.

وبسبب وجودها طوال الوقت في الملاعب وتحت الشمس فقد كان لونها يميل إلى السمرة الداكنة، وهو ما منحها، بالإضافة إلى سلوكها المتحرر، نوعا من “الذكورة”، أو هذا على الأقل ما كان يخيّل لنا نحن، الفتيات والنساء، وجعلنا ننقسم حولها بين من يخشاها، ويبتعد عنها وبين من يتندر عليها ويسخر منها، لكن ولا واحدة منا تجرأت على الاقتراب منها ومصادقتها.

لم أر جارتي هذه من أعوام بعيدة ولا أعرف إن كانت ما تزال مولعة بالكرة أم أنها تحوّلت إلى أم وربة بيت هادئة، لكنني أتذكرها دائما عندما أجلس لمشاهدة مباراة ما، وهذه الأيام تحديدا مع مقابلات كأس العالم التي تقام في روسيا. في أشد لحظات الحماسة والانطلاق والصراخ أتذكّر جارتي، النموذج الذي لا يليق بالمرأة أن تكونه، فأهدأ.

في الأعوام الأخيرة، تحوّلت علاقة المرأة بكرة القدم تدريجيا، فأصبحنا نرى نساء وفتيات يملأن الملاعب بالصراخ والهتاف والدموع، ونجد الأمر طبيعيا، بل وجميلا أيضا، ودليلا على المساواة والتحرر.

الأكثر من ذلك، أصبحنا نتابع مباريات وبطولات بأكملها بتوقيع المرأة. على غرار كأس أوروبا لكرة القدم النسائية، ونستمتع بها.

ما جعل كرة القدم تظل حكرا على الرجال، هو “العنف” الذي يميزها، فهي لعبة تحتاج لقوة بدنية ودفاعية عالية المستوى، الأمر الذي لم يكن متوفرا للنساء. كما أن العنف ظل حكرا على الرجال لاعتبارات كثيرة من بينها أن المرأة مهمتها الإنجاب والخصوبة، ولا يجب بالتالي تعريضها للخطر والعنف.

يقال إن كرة القدم أوجدت في وقت السلم، كبديل عن الحرب التي اعتبرها الإنسان القديم ضرورية من أجل البقاء والتطور.

الفيلسوف إيمانويل كانط، الذي عاش في القرن 18، كان يرى أن السلم مضرّ في بعض جوانبه بالإنسان، لأنه يعيق تطوره، ويعتبر الصراعات والحروب ضرورية لأنها تمد الإنسان بمهارات وقدرات جديدة وتعلّمه التعاطي مع المشاكل وتجاوز العراقيل وتدفعه للتشبث بفكرة البقاء.

الدعوة لكسر احتكار الرجل للعنف والصراع، هو ما جعل المرأة تطالب بحقها في كرة القدم، التي يطلق عليها البعض اسم” الصراع الخلاق”، فهي تجعل المرأة تدخل في مواجهة جسدية حقيقية مع الآخر، وتكسر مقاومته (المجتمع) وتتخطى الحدود، وهي عملية ضرورية من أجل نموها وتطورها وبقائها أيضا. ومع الثورة النسائية الثانية في 1965، أصبحت كرة القدم مطلبا لا غنى عنه للحركات النسائية التي كانت تطالب بالمساواة بين المرأة والرجل في جميع المجالات، بما في ذلك الرياضة.

أرى اليوم فتيات صغيرات، يلعبن، جنبا إلى جنب مع ابني في فريق مشكل من البنات والأولاد، وينتابني شعور مزدوج، بين رغبتي في تشجيعهن، وتمنياتي الصامتة لهن بأن يذهبن لفعل شيء آخر، لكن بمجرد أن التفت إلى جانبي وأَجِد أمهات فخورات ببناتهن، مشجعات لهن، قويات مصرات على معاملتهن على قدر المساواة، أشعر أنهن محقّات وأنني على خطأ. أقول في نفسي: لا بد أنها عقدة الجارة.

13