كرة القدم الأفريقية أعادت الهوية وصنعت أنماطا من الفساد

غياب الرقابة وتحكم رأس المال يحرفان اللعبة الشعبية الأولى عن مساراتها الإيجابية ويجعلها تتحول إلى نموذج للاستغلال السياسي.
الأربعاء 2019/07/17
كرة القدم تبعث الأمل وتعزز ثقة الجماهير في أوطانهم

أعادت بطولة كأس الأمم الأفريقية التي تجرى حاليا في مصر، مسألة العلاقة التكاملية بين كرة القدم والسياسة والاقتصاد في القارة. وبدت الرياضة الأكثر شعبية في العالم مادة دسمة لصناعة موجات غير متوازنة في أفريقيا. وكما رسخت كرة القدم الهوية والانتماء بين العرقيات المختلفة في أفريقيا وفتحت المجال أمام عوائد سياسية متعددة واقتصادية سخية، قدمت شبكة غير شرعية من هيمنة الفساد الإداري والسمسرة وتزييف الوعي.

القاهرة - لم يكن هتاف البرازيليين الشهير “لا نملك خبزًا ولا أرزًا.. لكن نملك بيليه والكأس” أثناء الاحتفال بفوز بلادهم بكأس العالم عام 1958 مجرد هتاف عابر لمجموعة من محبي كرة القدم، بل تعبيرا عن دلالة راسخة حول قدرة اللعبة الشعبية الأولى في تعزيز المكانة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للكثير من دول العالم، خاصة تلك التي تتطلع إلى مسايرة التقدم.

تكررت تلك المشاهد وبأشكال وأنواع مختلفة مع انطلاق بطولة كأس الأمم الأفريقية التي تجرى حاليا في مصر وتختتم في 19 يوليو الجاري، مع تسابق رؤساء بعض الدول على اقتناص جزء من كعكة البطولة من خلال حضور مباريات فرقهم.

حضر الرئيس الموريتاني المنتهية ولايته محمد ولد عبدالعزيز، مباراة منتخب بلاده مع مالي كمشجع، على ملعب السويس في شرق القاهرة. وجاء رئيس غانا نانا أكوفو أدو لمشاهدة مباراة منتخب بلاده ضد الكونغو الديمقراطية في الإسماعيلية. وجذب رئيس مدغشقر أندري راجولينا الانتباه، عندما كان حماسيا في تشجيع فريق بلاده التي وصلت للمرة الأولى إلى البطولة وحققت نتائج طيبة، وجعلته يمكث وزوجته لمشاهدة المباراة التالية لمنتخب بلاده مع المنتخب التونسي مساء الخميس.

حقق راجولينا مكسبين من متابعة مباراة مدغشقر والكونغو الديمقراطية ثم تونس، المكسب الأول كان توحيد صف بلاده المشتتة بين قبيلتي الساكافا والأنتيمور المتنازعتين باستمرار على الحكم خلف منتخب يحقق إنجازا غير مسبوق.

يؤدي تسليع كرة القدم واعتبارها جزءا من التوسع الرأسمالي في أفريقيا إلى جعلها عرضة للفساد المنتشر بشكل عام

ويتعلق المكسب باقتناص المزيد من الشعبية لرئيس شاب جاء على رأس الحكم بصورة ديمقراطية، بعد أن بدا الأداء الرياضي المتميز لبلاده نتيجة للاستقرار السياسي والاجتماعي الذي حققه خلال فترة ولايته.

لم يكن راجولينا الأول ولن يكون الأخير. فلم تَعُد كرة القدم مجرد لعبة للتسلية، وإنما تم توظيفها لتحقيق غايات سياسية واضحة. البعض نجح في تحقيق أهدافه، وكثيرون عجزوا عن الوصول إلى أهدافهم، لأنهم تعاملوا مع كرة القدم على أنها باب فقط للسياسة.

أدرك بعض الزعماء في أفريقيا مبكرا أن كرة القدم سلعة تعوض ضعف القارة في الإنتاج. وقدمت الحكومات تسهيلات كبيرة لتصدير لاعبيها إلى دول عدة في أوروبا ليكونوا منتجات متنوعة تدر الكثير من المال. واتسعت الصناعة لأكثر من ذلك، ودخلت حقوق الرعاية، ومبيعات التذاكر وتراخيص التلفزيون والشعبية التي جنتها أندية أوروبية في أفريقيا بسبب المشاركة الواسعة للاعبي القارة، إلى المعادلة المادية الكبرى.

وتكفي الإشارة إلى أن رواندا دفعت العام الماضي نظير استخدام قمصان نادي أرسنال الإنكليزي للترويج للسياحة نحو 30 مليون جنيه إسترليني، بعد أن أضحى عدد متابعي النادي الإنكليزي في أفريقيا أكبر من عدد متابعي المباراة النهائية لبطولة دوري أبطال أفريقيا عام 2018 بين الأهلي والترجي.

القومية والانتماء

لا تتوقف كرة القدم في أفريقيا على أنها اندماج مع الرأسمالية العالمية، لكنها قدمت للحكومات خدمة مهمة لتعزيز الانتماء والهوية بين القوميات والقبائل التي مزقها الاستعمار.

وقال الخبير المصري في الشؤون الأفريقية حمدي عبدالرحمن “مثلما مزق الاحتلال البريطاني القارة الأفريقية سياسيا، فقد قدم دون أن يقصد علاجا لتوحيد الصف بنشر الرياضة الأكثر الشعبية بين أبناء القارة”.

وأوضح لـ“العرب” أن “كرة القدم كانت جزءا من المشروع الاستعماري، وتحولت الرياضة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية إلى جزء من الجهود المنهجية لبناء المستعمرات، وأداة للوعي الثقافي، وتحقيق التماسك الاجتماعي بين المستوطنين البيض، وشكل من أشكال التنظيم والرقابة الاجتماعية على سكان المستعمرات”.

حمدي عبدالرحمن: الرياضة وكرة القدم على وجه التحديد تلعب دورها في بناء الهوية الوطنية، وإثارة المشاعر الخاصة بالوحدة، كما تعزز روح الانتماء
حمدي عبدالرحمن: الرياضة وكرة القدم على وجه التحديد تلعب دورها في بناء الهوية الوطنية، وإثارة المشاعر الخاصة بالوحدة، كما تعزز روح الانتماء

سعى الاستعمار الفرنسي في ساحل العاج (كوت ديفوار حاليا) إلى تعزيز التربية البدنية للجماهير عن طريق كرة القدم، بينما كان إدخال كرة القدم الحديثة في مصر جزءا من السياسة البريطانية للغزو الثقافي والتغريب التي سعت إلى تقليد المستعمر، فكانت في نيجيريا جزءا من المشروع الذي يهدف إلى تجنيد الناس وتحويلهم إلى المسيحية.

ومن وجهة نظر عبدالرحمن، تم تطويع كرة القدم للسياقات المحلية وكانت وسيلة لتعزيز الانتماء الوطني وبناء الهوية الوطنية. وبدأ تسييس الرياضة في المجتمعات الأفريقية منذ مرحلة تصفية الاستعمار في بلدان عدة، مثل الجزائر وجنوب أفريقيا وموريتانيا وبوروندي.

وأشار عبدالرحمن إلى أن جبهة التحرير الوطني في الجزائر استطاعت عام 1958 تجنيد عشرة لاعبين كانوا في صفوف المنتخبات الفرنسية ليمارسوا دورهم النضالي من أجل الاستقلال. وسعت الجبهة من وراء هذه الحركة لحرمان فرنسا من جهود اللاعبين ‏الرئيسيين، لأن ثلاثة منهم كانوا ضمن كتيبة كأس العالم، وزيادة الوعي الدولي بالكفاح الجزائري، والتأكيد على أن نضال جبهة التحرير ‏الوطني يحظى بدعم الجزائريين في الداخل والخارج.

ولجأ الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر إلى كرة القدم لترسيخ أيديولوجيته المناهضة للاستعمار عبر تبني مشروع بناء الاتحاد الأفريقي لكرة القدم وتنظيم البطولة القارية بين مصر والسودان وأثيوبيا في الخمسينات من القرن الماضي كرسالة موجهة لاستقلال تلك الدول ودعم الهوية لدى شعوب القارة.

ويوضح نموذج تحليل حقل السياسة الخارجية وارتباطها بالمنظور القومي في أفريقيا، الذي وضعه ريتشارد سنايدر سنة 1990، أن كرة القدم في الدول الأفريقية التي ولدت منقسمة وبحدود مصطنعة ساعدت على بناء هوية موحّدة متخيلة في الإدراك العام لدى مختلف الجماعات العرقية.

وتمثل الكونغو الديمقراطية، زائير سابقا، المثال الأبرز على فكرة صناعة كرة القدم لهيكل وطني حقيقي عندما مثل فوزها بالبطولة الأفريقية عام 1974 وتأهلها لكأس العالم في العام ذاته، مشهد النهاية لحالة الاحتقان الشعبي الذي ظل مترسخا منذ إنهاء الاحتلال البلجيكي عام 1959 وما خلفته الصراعات المسلحة بين إقليمي كاتنكا وجنوب كاساي لقرابة العشرين عاما، والتي انتهت فعليا عندما خرجت القوميات موحدة لاستقبال فريق بلادها وهو عائد من ألمانيا.

وأكد عبدالرحمن قائلا لـ”العرب” “تعزيز الشعور القومي يمثل الوسيلة الناجعة التي تحقق بها الدول المنقسمة سياسيًّا وعرقيًّا ودينيًّا الوحدة والتماسك الوطني، ومن هنا تمارس الرياضة عمومًا -وكرة القدم على وجه التحديد- دورها في بناء الهوية الوطنية، وإثارة المشاعر الخاصة بالوحدة والانتماء”.

غطاء سياسي

تتحد مميزات كرة القدم في قدرتها الفريدة على جمع الملايين حولها
تتحد مميزات كرة القدم في قدرتها الفريدة على جمع الملايين حولها 

تمثل مصر خلال البطولة الأفريقية الراهنة نموذجا للاستغلال السياسي في كرة القدم بعد أن جمعت بين تحقيق غرض معين وتعزيز الانتماء والهوية، ونجحت الحكومة إلى حد كبير في تحقيق مكاسب بالترويج للسياحة الخارجية، والتأكيد على الاستقرار الأمني للبلاد التي ظلت تعاني من هجمات إرهابية لفترة طويلة، وبدأت تجمع شمل الشعب المصري خلف المنتخب الوطني والتخفيف من الوقع السلبي للقرارات الاقتصادية الصعبة عبر الاهتمام بالبطولة وكسر الجمود في ملف عودة جماهير كرة القدم إلى الملاعب.

وسبق أن أشار الزعيم الجنوب أفريقي الراحل نيلسون مانديلا، إلى أن الرياضة تتمتع بالقدرة على تغيير العالم، وتمتلك القدرة على الإلهام وعلى توحيد الناس بطريقة لا يقوى عليها إلا القليل، وتتحدث إلى الشباب بلغة يفهمونها، ويمكن للرياضة أن تخلق الأمل بعد أن استبد اليأس؛ فهي أقوى من الحكومات.

توظف كرة القدم سياسيًّا من جانب كل الأنظمة، بغض النظر عن طبيعة النُّخبة الحاكمة، وكانت سببا في تصفية حسابات سياسية مثلما حدث خلال حادثة الهجوم على حافلة منتخب توغو عام 2010 في أثناء رحلته للمشاركة في نهائيات كأس الأمم الأفريقية، من قبل ثوار جبهة تحرير كابيندا الأنغولية المطالبين بالانفصال.

ولا يمكن أن ينسى العالم تحول لاعبي منتخب ساحل العاج (كوت ديفوار) ديديه دروغبا ويحيى توريه خلال عام 2008 إلى أيقونتين شعبيتين بعد أن مثلا الوجه الجديد لبلادهما عقب انتهاء حرب أهلية دامت خمس سنوات، وكانت الحكومة تضع صور اللاعبين بجوار أعلام الدولة وشعارها “الفيل البرتقالي” باعتبارهما من الرموز القومية التي لا تقل أهمية عن العلم والنشيد القومي.

وليس بالضرورة أن يعني ارتباط كرة القدم بالمزاج الأفريقي أنها تنعكس بالإيجاب دائما على القارة النامية، لأن للرياضة مواقف وحسابات سلبية، حيث استخدمت سياسيا في الترويج لحكام وحكومات دكتاتورية، مثلما كان رئيس أوغندا عيدي أمين يستخدم كرة القدم في الترهيب والدعاية في الوقت ذاته، عندما صنع منتخبا لبلاده من جنود في الجيش وهددهم بالقتل في حالة عدم تأهلهم للبطولة الأفريقية عام 1978. وفي وقت لاحق اختار رياضة الملاكمة للإلهاء عن جرائمه باستضافة نهائي العالم في الوزن الثقيل.

تتحد مميزات كرة القدم في قدرتها الفريدة على جمع الملايين حولها وتعزيز مسائل عاطفية ومادية يصعب على أي مجال آخر تقديمها، كالربح المادي الواسع والهوية والغطاء السياسي.وأُنتِجت أقطاب من الفساد لا يمكن محاصرتها بداية من قمة هرم الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” أو الاتحادات القارية، خاصة الأفريقي المتهم دائما بالتلاعب والفساد في عهد الرئيس السابق عيسى حياتو.

من الصعب فصل المال والسياسة والهوية عن كرة القدم في أفريقيا، لأنها شبكة عنكبوتية يصب كل منها في الآخر، فالمال يفسد الهوية مثلما اختارت بلاد كفرنسا أن تجنس 80 بالمئة من لاعبي منتخبها من أصول أفريقية، ما ساعدها على الفوز بكأس العالم في المرتين عامي 1994 و2018.

ويؤدي تسليع كرة القدم واعتبارها جزءا من التوسع الرأسمالي في أفريقيا إلى جعلها عرضة للفساد المنتشر بشكل عام بسبب رداءة آليات الرقابة والحوكمة، وأصبحت هناك جماعات قوية أشبه بالمافيا تتحكم في إدارة الأندية وإبرام الصفقات والفوز بعقود الرعاية والتمويل وما إلى ذلك، وكلها منافذ سهلة للحصول على مال بشكل غير مشروع.

وكلما زادت أدوات السلطة والمال في كرة القدم، أنتجت أنماطا جديدة من التلاعب لا يمكن مواجهتها إلا بتطبيق منظومة محكمة تقلل من تدخل السياسة والاقتصاد في الرياضة وتبعد المال عن شبهات الرشوة والسمسرة، لأن الفساد بات مرادفا لكرة القدم في الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والكثير من الاتحادات الرياضية المحلية.

12