كرة القدم النسائية العربية.. هدف في مرمى المجتمع أولا

البطولات النسائية العربية أنجبت لاعبات كبيرات استطعن أن يفرضن أنفسهن في أندية أوروبية.
السبت 2019/06/22
لا تنقصهن الموهبة

تغيب كرة القدم النسائية العربية مرة أخرى عن مونديال السيدات الذي تحتضنه فرنسا في الفترة ما بين 7 يونيو و7 يوليو. فاللعبة التي تمارسها العشرات من الفرق النسائية من المشرق العربي إلى مغربه، عجزت حتى الآن عن إثبات نفسها دوليا وبلوغ المونديال منذ إطلاق أول دورة لكأس العالم في العام 1991.

 دائما ما تعقد الجماهير البرازيلية، المقارنة بين نجم منتخب كرة القدم للرجال نيمار دا سيلفا، والنجمة المميزة مارتا، الموهبة الرائعة في منتخب البرازيل للكرة النسائية.

حتى أنه في كأس القارات عام 2014 نادت الجماهير البرازيلية الغاضبة بأن تحلّ مارتا دا سيلفا مكان نيمار دا سيلفا “لأنها أفضل منه”.

يذكر أن المهاجمة البرازيلية مارتا فييرا دا سيلفا باتت أفضل هدافة في تاريخ نهائيات كأس العالم لكرة القدم في فئتي الرجال والسيدات بمنحها التقدم لمنتخب بلادها في مرمى إيطاليا ضمن منافسات المجموعة الثالثة من مونديال السيدات في مدينة فالنسيان الفرنسية.

ورفعت مارتا رصيدها إلى 17 هدفا في 5 نسخ من النهائيات لتتخطى الألماني ميروسلاف كلوزه (16 هدفا في 4 نسخ من النهائيات.

وكانت مارتا توجت أفضل لاعبة في العالم ست مرات.

وعلى مدار شهر كامل تلتقي منتخبات كرة القدم النسائية ضمن تصفيات كأس العالم التي تستضيفها فرنسا حاليا وتستمر حتى السابع من الشهر المقبل.

وتغيب المنتخبات العربية عن محفل سيدات الكرة في العالم، بالرغم من امتلاك دول عربية منتخبات وطنية نسائية منذ أكثر من 20 عامًا، إلا أن أيا منها لم ينجح في التأهل إلى المحفل العالمي الأهم.

وقد اكتفت منتخبات عرب أفريقيا بالتأهل إلى كأس أمم أفريقيا 8 مرات، بمعدل 4 مرات للمنتخب الجزائري، ومرتين لشقيقه المغربي، ومشاركة وحيدة لكل من مصر وتونس، كان مصيرها جميعا الخروج من الدور الأول!

وفي المقابل استطاعت سيدات الأردن من كسر النحس المزمن، بنجاحهن في بلوغ كأس أمم آسيا في فيتنام 2014.

المهاجمة الإماراتية شهد الزركان أثبتت أنها مستقبل الكرة النسائية في الإمارات
المهاجمة الإماراتية شهد الزركان أثبتت أنها مستقبل الكرة النسائية في الإمارات

وتعود بداية كرة القدم النسائية في الجزائر إلى العام 1997، في خضم العشرية السوداء التي عاشتها البلاد، حين تأسس نادي آفاق غليزان للسيدات، الذي شكّل وقتذاك “ثورة اجتماعية”.

ولا يختلف الأمر كثيراً في مصر، فعلى الرغم من أن كرة القدم النسائية بدأت عام 1989، وشاركت في تصفيات أفريقيا في العام التالي، إلا أنها ما زالت تعاني من مشكلات أبرزها التهميش الإعلامي.

وحققت نساء المغرب نجاحا كبيرا في كرة القدم رغم الصعوبات، ويطلق المغاربة على فريقهم لكرة القدم النسائية لقب “لبؤات الأطلس”.

وفي تونس حذرت رئيسة الرابطة التونسية لكرة القدم النسائية فاطمة الفوراتي من أن كرة القدم النسائية في تونس مهددة بالاندثار بسبب “عقلية جديدة تتعامل بكثير من الازدراء مع كرة القدم النسائية” إضافة إلى مشاكل مالية وصفتها بالخانقة.

وفي السعودية لا تحظى الكرة النسائية بالاعتراف الرسمي من اتحاد الكرة، إلا أن هذا الأمر لم يمنع من ظهور أول فريق سعودي للسيدات “العطاء”، والذي شارك في بطولة خارجية، عبر دوري خالد بن حمد 2018 لفتيات الصالات في البحرين ليصل إلى نصف النهائي تحت قيادة المدربة السعودية مرام البتيري، والتي اعتمدت على موهبة المهاجمة السعودية الشابة مريم التميمي (13 عاما) التي نجحت في حصد جائزة أفضل لاعبة في مباراتين متتاليتين في دور المجموعات.

وفي دولة الإمارات دخلت كرة القدم النسائية منعطفا جديدا عام 2015، فبعد 10 أعوام من ممارسة اللعبة على صعيد الأندية، بدأ تكوين منتخب وطني يسعى إلى المنافسة على المستوى الدولي.

وخلال السنوات الماضية استطاعت لاعبات الإمارات بصفة عامة ولاعبات كرة القدم بصفة خاصة من تخطي العديد من العقبات التي تحول دون مشاركة المرأة الرياضية وأثبتن تميزهن.

يذكر أن عام 2018 لم يكنمثالياً بالنسبة للكرة النسائية الإماراتية، لأنه شهد انسحابها من أهم حدثين في قارة آسيا، دورة الألعاب الآسيوية 2018 في جاكرتا الإندونيسية، وتصفيات قارة آسيا المؤهلة إلى أولمبياد طوكيو 2020.

وركز الاتحاد الإماراتي على منتخب الناشئات الذي خاص تصفيات كأس آسيا تحت 16 عاماً ثم تصفيات تحت 19 عاماً، ليبرز اسم المهاجمة الإماراتية شهد الزركان، التي سجلت في التصفيات الأولى والثانية 7 أهداف، لتثبت أنها مستقبل الكرة النسائية في الإمارات.

وتقول حورية الظاهري، المدير الفني لمنتخب الإمارات لكرة القدم للسيدات، إنها مهتمة بحضور مباريات كأس العالم للسيدات.

وتعد الظاهري، أول مدربة كرة قدم محترفة في الخليج العربي، وقالت في تصريحات نشرها موقع أخبار الأمم المتحدة إنها شقت طريقها منذ عمر مبكر في مجال كرة القدم، بعد افتتانها باللعبة الأكثر شعبية في العالم، وأضافت أنها واجهت مصاعب عديدة، في الوصول إلى المستوى الاحترافي واللعب على المستوى العالمي، وأنها كانت تطمح لأن تصبح لاعبة تمثل منتخب بلادها الإمارات.

من جانبه، حقق منتخب فلسطين للسيدات إنجازاً تاريخياً للكرة النسائية الفلسطينية في شهر نوفمبر الماضي، بتأهله إلى المرحلة الثانية من تصفيات قارة آسيا المؤهلة إلى أولمبياد طوكيو 2020 لأول مرة في تاريخه.

أما في لبنان فرغم مرور أكثر من عقد على إطلاقها تعاني كرة القدم النسائية من التهميش، برغم التأكيدات من مدربات ولاعبات أجانب بوجود مواهب مميزة ينبغي الاهتمام بهن، خصوصا أن الاتحاد الدولي “الفيفا” يولي هذا القطاع اهتماماً كبيرا بغية تعزيز كرة قدم السيدات وتنميتها في البلاد العربية.

وفي ليبيا، البلد التي يعيش انفلاتا أمنيا منذ العام 2011، أسست أكاديمية لكرة القدم مخصصة للفتيات فقط في العاصمة طرابلس في عام 2018، حيث تتعلم الفتيات أساسيات الرياضة الأكثر شعبية في العالم.

لعبة رجال

نجمة المنتخب البرازيلي مارتا فييرا دا سيلفا باتت أفضل هدافة في تاريخ نهائيات كأس العالم لكرة القدم في فئتي الرجال والسيدات
نجمة المنتخب البرازيلي مارتا فييرا دا سيلفا باتت أفضل هدافة في تاريخ نهائيات كأس العالم لكرة القدم في فئتي الرجال والسيدات

في أي مكان من العالم، لا تعشق كرة القدم بذات المقدار الذي يعشقها به سكان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ففي كل مكان آخر من العالم، تتنافس الألعاب الرياضية لاستقطاب اهتمام الجماهير، ولكن في العالم العربي – أو على الأقل معظمه – كرة القدم “المستديرة” تستأثر بهوس الشعب المنفرد.

يحب الإنكليز الركبي والكريكيت، والأرجنتينيون يتمتعون بكرة السلة والتنس، وفي المكسيك البيسبول رياضة محبوبة على نطاق كبير، وسباقات السيارات ورياضات جبال الألب لها شهرة على نطاق واسع في إيطاليا وألمانيا، أما في شرق آسيا فإن أكثر ما يستحوذ على الاهتمام هي كرة الطاولة، وإلى جنوب الصحراء الكبرى يستمتع الشعب برياضة الجري والكريكيت، ولكن ليس بالقدر الذي تُتابع فيه الكريكيت في شبه القارة الآسيوية.

وفي العالم العربي، كرة القدم تستحوذ على العرش بلا منازع، ولا يوجد من ينافسها على هذا المنصب، فقد يقول البعض سباق الجمال أو سباق الخيل؟ لكن، هذه الرياضات تشد الأغنياء فقط، فالشعب يعشق كرة القدم، ومنذ زمن بعيد. غير أن “كرة القدم في مجتمعاتنا العربية بشكل عام، ظلت لعبة رجال”.

ويبدو أن نظرة الاستخفاف الذكورية تجاه كل ما هو أنثوي مازالت تسيطر على عقلية مسؤولي كرة القدم في البلدان العربية، سواءً على الصعيد الرسمي أو حتى على صعيد الأندية.

والموقف الذكوري من تعاطي المرأة للرياضة بما فيها كرة القدم، “هو امتداد طبيعي لموقف تاريخي وثقافي وحتى نفسي من المرأة” في مجتمعاتنا العربية، وفق قراءة الدكتور المغربي سعيد جعفر المختص في علم الاجتماع والفلسفة، كما أنه “حلقة طبيعية ضمن مسلسل النظرة الذكورية للمرأة”. ومن المعلوم أن الفضاء العام في شبه الجزيرة العربية، والمقصود به الصحراء والقبيلة والسوق ومجال الهجرات عبر القوافل التي ينطلق منها أغلب ساكنة المجتمعات العربية الحالية، كان حكرا على الرجال دون النساء لأسباب مرتبطة بالشرف والرجولة، وتعزز هذا التوجه بتكيف الإسلام لاحقا مع مقتضيات وضوابط الواقع القبلي والصحراوي، وهو ما سيتحول إلى قاعدة في التعامل مع المرأة منتجا معادلة وقانونا خاصين بعلاقة المرأة بالرجل في المجتمع الشرقي. مضمون هذا “القانون” هو التالي، “المرأة للبيت وللرجل ما هو خارج البيت، مما أنتج معه قياسا للحرية وحدد مساحاتها وهوامشها بالنسبة للمرأة”.

ويؤكد جعفر في حديث لفرانس 24 أن وضعية المرأة عموما، ومنها المرأة الرياضية والمحبة والمشجعة للرياضة، “مؤطرة بترسبات تاريخية حضارية وثقافية ذهنية ونفسية حتى، وكذلك مؤطرة سياسيا من خلال توظيف السياسيين لهذا الواقع التاريخي والحضاري في الحكم عبر تغذيته وتشجيعه لمواجهة موجات التحديث والتحولات المجتمعية، التي تمس الأجيال الجديدة ومنها الشباب والنساء”.

وتقول نيفين جمال عبدالرحيم، لاعبة نادي وادي دجلة المصري، إن “المجتمعات العربية أغلبها تنظر بغرابة للاعبة كرة القدم”، غير أن النظرة بدأت تتغير، فالهدف الأساسي، على حد تعبير نيفين، يكمن في “النهوض بكرة القدم النسائية وبحقوق المرأة في العالم العربي بأسره”.

وعادة ما يكون الاهتمام بالرياضة النسائية بما فيها كرة القدم في الدول العربية، في عدد من الحالات بهدف تجميلي لصالح حكومات معينة أمام أنظار الغرب. وتغيب فيه حسن النية والجدية اللازمة لنجاحه كمشروع يهم النصف الآخر من المجتمع أي المرأة.

ويعد العمل على تجاوز هذه النظرة الذكورية للمرأة الرياضية في العالم العربي، معركة لا تخص المرأة لوحدها.

مستوى دون المأمول

الطموح والنجاح سلاحا المرأة العربية في محاربة العقليات المحافظة
الطموح والنجاح سلاحا المرأة العربية في محاربة العقليات المحافظة

يعرقل تواضع مستوى البطولات التي تنظم من قبل اتحادات الكرة التقليدية في ظل غياب مؤسسات نسوية تشرف على اللعبة بالبلدان العربية تطوير كرة القدم النسائية العربية. وتحاول هذه الرياضة في ظل هذا الوضع أن تفرض نفسها إلى جانب رياضات أخرى، تفوقت فيها المرأة العربية في أكبر التظاهرات القارية والدولية كألعاب القوى وكرة اليد وغيرها.

فالبطولات النسائية لم تصل بعد إلى مستوى الاحتراف، وتمارس اليوم كهواية ليس إلا. وتعتبر البطولة الجزائرية في كرة القدم النسائية من أهم البطولات في المنطقة المغاربية والعربية، من حيث مستوى أداء الأندية المشاركة فيها، حسب الرئيسة السابقة لرابطة كرة القدم النسائية التونسية فاطمة الفوراتي.

كما أن غياب المنافسات الأفريقية أو العربية بين الفرق لا يساعد الأندية النسائية على تحسين مستواها، حسب رأي مدربة المنتخب الجزائري أقل من 20 سنة نعيمة العوادي.

وتؤكد العوادي، وهي أيضا كادر فني في المدرسة الوحيدة التي تهتم بكرة القدم النسائية في الجزائر العاصمة “نادي اتحاد أمل الشراقة”، أن “الموهبة موجودة، لكنها لا تصنع لوحدها لاعبة عالمية. فمن الضروري توفير الإمكانيات المادية للنوادي”، باعتبار أن النوادي المنتج الأول للاعبات اللواتي بإمكانهن تطعيم المنتخبات العربية. وليس بالأمر المستحيل، بالنسبة للعوادي التي لعبت لفائدة العديد من النوادي الأوروبية من 1992 حتى 2006، بلوغ أحد المنتخبات النسائية العربية لنهائيات كأس العالم يوما ما، إلا أن ذلك يستلزم، بحسبها، “اهتمام الدول العربية بهذه الرياضة، وهذا لا يتم إلا بنقل البطولات المحلية إلى الاحتراف. فلا يعقل أن لاعبة في المنتخب لا تتقاضى راتبا شهريا”، تقول لاعبة نادي فرانكفورت الألماني السابقة ذلك بأسف شديد.

وقالت الكابتن هبة جعفيل المديرة الفنية السابقة لمنتخب السيدات اللبناني إن المستويات العربية في كرة القدم النسائية تتطور لكنها لم تصل بعد إلى المستوى الأوروبي نظرا لغياب التدريب في الصغر وافتقاد المهارات الأكاديمية الضرورية.

بينما قالت إيناس مظهر مراقب مباريات الكرة النسائية بالاتحاد الأفريقي لكرة القدم إن الكرة النسائية تحتاج إلى اهتمام أكبر في العالم العربي، مشيرة إلى حصول اللاعبة المصرية في إنكلترا سارة حسن على الحذاء الذهبي ما يعني عدم نقص المواهب، وشددت مظهر على ضرورة وجود كوادر تدريبية وأجهزة، ودعت الأندية الكبرى إلى تبني الفرق النسائية وبناء قاعدة من الأندية ودوري قوي ومسابقات مختلفة. وطالبت مظهر اتحاد كرة القدم بتقديم محفزات تشجيعية على غرار ما يفعله الاتحاد الافريقي الذي عزز جوائز الكرة النسائية ووضعها على قدم المساواة مع كرة القدم الرجالية.

كما أكدت مظهر على ضرورة الاهتمام الإعلامي الذي من شأنه تشجيع الفتيات على الانضمام لهذه اللعبة خاصة وأن مصر نجحت في تحقيق إنجازات كبرى في الرياضات النسائية المختلفة.

وقد أنجبت البطولات النسائية العربية لاعبات كبيرات استطعن أن يفرضن أنفسهن في أندية أوروبية.

الكرة النسائية العربية تتلمس طريقها
الكرة النسائية العربية تتلمس طريقها

 

21