كرة القدم النسائية تقاوم التحريم في المجتمعات الإسلامية

أرض الصومال الانفصالية تلغي بطولة للنساء بذريعة تعارضها مع الدين.
الأربعاء 2020/12/23
لعبة جميلة تحاصرها أفكار بغيضة

تتوسع دائرة التحريم المبنية على أفكار ومسوغات التيارات الدينية المتطرفة لتطوّق الرياضة الأكثر شعبية في العالم، ولا تنتهي فتاوى التحريم عند المطالبة بمنع النساء من ممارسة كرة القدم، بل تضع سياجا من القيود التي تخنق المسلمين، وتحوّل كل ما أبدعه الإنسان المعاصر من وسائل ترفيه إلى تطاول على الدين.

لندن - ما زالت كرة القدم النسائية من المواضيع المثيرة للجدل في عدة مجتمعات إسلامية، ورغم ما حققته العديد من اللاعبات المحترفات من إنجازات في هذا المجال، إلا أن فتاوى التحريم تطوّق هذه الرياضة وتعيق القوانين والتشريعات تحقيق المساواة بين الجنسين في ممارسة الرياضات.

وأعلنت مؤخرا منطقة أرض الصومال الانفصالية إلغاء أول بطولة في كرة القدم للنساء بسبب تعارضها مع القيم الإسلامية، ما أثار غضب الجماعات المناصرة لحقوق المرأة.

وكان من المتوقع أن تبدأ بطولة كرة القدم النسائية في أرض الصومال بمشاركة ستة فرق تمثل المقاطعات في العاصمة هرجيسا.

لكن، مدير الرياضة في وزارة الشباب والرياضة، عبدالرشيد عيديد، أشار إلى أن السلطات اختارت أن تلغي الحدث الذي كان سيستمر سبعة أيام لأنه غير إسلامي.

وقال في مؤتمر صحافي “ألغيناها (البطولة) لأنها لا تتماشى مع القيم والأعراف الإسلامية. بعد الغضب الشعبي، بما في ذلك من الشيوخ، اتفقنا على تعليقها. شاهد الجميع نساءنا يلعبن خلال الدورات التدريبية على التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي. لا نريد ذلك أبدا”.

وتشير هذه القضية إلى الطبيعة المعقدة للسلطة في الصومال ودولة أرض الصومال، وإلى اضمحلال الفواصل الواضحة بين رجال الدين والحكومة.

ونظّمت أمون أدان، وهي رياضية ومدافعة عن حقوق المرأة وسيدة أعمال، البطولة. وقالت إن السلطات أعطتها الضوء الأخضر لأول مرة خلال الشهر الحالي.

 وذكرت أن القرار تأثر في وقت لاحق بشكاوى الزعماء الدينيين بعد بث صور اللاعبات وهن يتدربن، مضيفة أنهن كن يرتدين ملابس لائقة.

عبدالحي يوسف: كأن رجالنا قد نالوا الكؤوس وفرغنا من أمرهم، فذهبنا إلى النساء
عبدالحي يوسف: كأن رجالنا قد نالوا الكؤوس وفرغنا من أمرهم، فذهبنا إلى النساء

وتابعت في حديثها لوكالة رويترز “مثل هذا القرار يمثّل إنكارا لحقوقنا كنساء. لم نرتكب إثما. فما اتبعناه في التدريب ليس شيئا جديدا. كانت أجسام النساء مغطاة بالكامل”.

وأدان هي المؤسسة المشاركة لمركز صحي وترفيهي يهدف إلى تمكين النساء والفتيات من خلال التمارين البدنية في هرجيسا. وقالت إن سلطة أرض الصومال تجاوزت العالم الإسلامي، إذ “تقام بطولات كرة القدم النسائية في بلدان إسلامية أخرى. وأنا أشجع الحكومة على إعادة النظر حتى تتمكن النساء من ممارسة الرياضة والتمتع بحقوقهن بحرّية”.

وأعلنت أرض الصومال، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 4 ملايين نسمة، استقلالها عن الصومال سنة 1991 بعد حرب أهلية، لكنها لم تلق اعترافا دوليا.

وفي مناطق أخرى من الصومال، يُسمح للنساء بلعب كرة القدم وممارسة أشكال أخرى من الرياضة في أماكن خاصة. ومثل معظم أنحاء الصومال، تواجه النساء في أرض الصومال سيلا من التحديات بسبب الفقر والثقافة العشائرية التي تعزز السلطة الذكورية الصارمة.

ووفقا لهيئة الأمم المتحدة للمرأة المعنية بالمساواة بين الجنسين، تعاني الصومال من ارتفاع معدلات الاغتصاب وختان الإناث وزواج القاصرات، كما يبقى تمتع النساء بالعدالة محدودا.

وأثار إلغاء البطولة انتقادات سريعة من نشطاء حقوق المرأة على وسائل التواصل الاجتماعي، واعتبر الكثيرون منهم أن تحريم كرة القدم على النساء والقيود المفروضة على ممارسة النساء للرياضة عموما تمثل انتهاكا لحقوق المرأة ومحاولة لفرض وصاية عليها ولا يرون فيها سوى جسد من دون عقل.

 وغردت ماريا غهير من القرن الأفريقي للأبحاث ودراسة السياسات إن حظر البطولة يعدّ انعكاسا واضحا لموقف الحكومة تجاه النساء. كما اعتبرته نتيجة لنقص تمثيل المرأة في الحكومة، مما يقوّض التعبير عن موقف النساء بشأن قضايا مثل هذه.

ياسر برهامي: إلهاء الشعوب عما ينفعها بهذا اللهو نوع من تدمير هذه الأمم
ياسر برهامي: إلهاء الشعوب عما ينفعها بهذا اللهو نوع من تدمير هذه الأمم

ويثار تحريم كرة القدم في عدة مجتمعات إسلامية من قبل حلقات دينية متشددة ومغالية، تعتبر أن ممارسة الفتيات لهذه الرياضة قد تؤدي إلى فقدانهن لغشاء البكارة، فيما يشترط البعض منهم أن تكون ممارسة الرياضة في مكان معزول بعيد عن أعين الرجال لما في ذلك من “إثارة للرجال وإظهار لمفاتن النساء”.

ويقدم معارضو كرة القدم النسائية حجة مفادها أن “ما يبدأ صغيراً يمكن أن يكبر”، إذ النساء ما إن يبدأن في ممارسة كرة القدم سيرتدين الثياب “الفاضحة”، وينفقن وقتاً “لا داعي له” خارج البيت، وتزيد فرص اختلاطهن بالرجال.

وسبق أن تهكم الداعية السوداني المتشدد عبدالحي يوسف على ممارسة الفتيات لكرة القدم معبرا عن استغرابه من إقامة دوري للسيدات، قائلا “كأنّ رجالنا الذين يلعبون الكرة قد رفعوا اسم البلاد ونالوا الكؤوس، وفرغنا من أمرهم، فذهبنا إلى النساء”.

وأكّد أنّ الحكومة السابقة طلبت من هيئة علماء السودان فتوى بشأن إقامة دوري نسائي لكرة قدم، غير أنّ الرد كان بالمنع سدّاً للذرائع.

ولم يكن رأي الداعية السوداني سابقة من نوعه، فقد صدرت قبله وبعده عدة فتاوى غريبة تحرّم على النساء حتى مشاهدة كرة القدم، ومن بينها فتوى لرجال دين في ولاية أوتار برادش الواقعة شمال الهند.

وقال عطار قاسمي، المفتي في أحد أكبر المراكز الدينية، في بلدة ديوبند “يُمنع على النساء مشاهدة اللاعبين وسيقانهم وركبهم عارية” مشيرا إلى أن ذلك يتنافى مع شريعة الإسلام.

وانتقد قاسمي الرجال الذين يسمحون لزوجاتهم بمشاهدة كرة القدم، حتى ولو كان ذلك من خلال التلفزيون قائلا “أليس لديكم حياء؟ لماذا تشاهد النساء كرة القدم؟ وماذا سيجنين وهن يشاهدن سيقان الرجال؟”، مشيرا إلى أن النساء ستهتم فقط بذلك ولن يتابعن حتى نتيجة المباراة.

ولا يمثل التمييز ضد النساء لكرة القدم سوى جزء من نمط أوسع من انتهاكات الإسلام الاجتماعي الممنهجة لحقوق المرأة والتي تُرهب النساء باسم الدين.

وتتوسع دائرة التحريم المبنية على مسوغات دينية متطرفة مستقاة من التراث السلفي المتشدد لتحيط اللعبة الشعبية الأكثر انتشارا في العالم، بسياج من القيود والمحرمات.

وأثار الداعية الإسلامي ياسر برهامي، الذي يعتبر أحد أبرز وجوه التيار السلفي في مصر جدلا كبيرا، بعد رده على سؤال “ما الحكم في مشاهدة مباريات كرة القدم؟”، نشر على موقع “أنا السلفي” قوله “هذه مأساة، أنا في قمة الغيظ منها، نحن نقول إنها لا تحرم إلا بضوابط معينة إذا كانت تضمن إلهاء عن فعل واجب أو تتضمن فعلا محرما كالعصبية أو كشف عورات أو حبا وموالاة للكفار والمنافقين أو متضمنة لأي محرم وغالبا ما تتضمن محرمات”.

وأضاف برهامي “إلهاء الشعوب والأمم عمّا ينفعها بهذا اللهو نوع من تدمير هذه الأمم والشعوب، ولذلك هناك من العلماء من أفتى بالتحريم مطلقا والحقيقة أنه تحريم مقيّد، ولكن هذه القيود غالبا موجودة وحاصلة”، متسائلا “أين يأتون بالوقت؟ فالناس في حاجة إلى الوقت في دينهم ودنياهم وفي نفع أمتهم”.

وتجمع الكثير من الفتاوى، على مخالفة رياضة كرة القدم لتعاليم الشريعة الإسلامية، وسواء اقتنع بها محترفو وعشاق هذه الرياضة أو لم يقتنعوا، فإنهم يجدون أنفسهم أحيانا عاجزين عن التصدي لسلطة رجال الدين وقوانين الإسلام الاجتماعي التي تدور حول فكرة تحريم الرياضات.

ويبدو أن الجدل برمته فعل شيئا واحدا، وهو أنه زاد من شعبية كرة القدم، كما أنها ستستقطب جمهورا أكبر من النساء، في ظل رفع عدة دول الحظر على مشاركة المرأة في المسابقات الرياضية.

وأطلقت المملكة العربية السعودية دوري كرة القدم للسيدات في نوفمبر الماضي، بعد سنتين من السماح للنساء بمشاهدة مباريات كرة القدم في الملاعب بالمملكة الخليجية.

وفي سنة 2019، رفعت إيران الحظر المفروض على مشاهدة النساء لمباريات كرة القدم، بعد أن هددت الفيفا بتعليق مشاركة البلاد في المسابقات الرياضية الدولية بسبب قيودها المثيرة للجدل على الملاعب.

13