كرة القدم تجمع النساء والرجال وتلغي الفوارق داخل المجتمع التونسي

التونسيون يقبلون بشكل جماعي لدعم منتخب بلادهم، ولم يقتصر التشجيع على الحضور الذكوري بل تواكب النساء بشكل لافت الحدث الرياضي.
السبت 2018/06/23
سواسية في عشق الكرة

تفوقت رياضة كرة القدم في تونس على جميع الخلافات السياسية التي تشهدها البلاد منذ اندلاع ثورة يناير، والتقى التونسيون على تشجيع منتخبهم الوطني الذي يشارك في مسابقة كأس العالم في روسيا بشكل جماعي بشغف ومحبة ألغت الفوارق الاجتماعية، لكن أكدت عمق الأزمة الاقتصادية أمام عجز الكثير من التونسيين عن تأمين معاليم الاشتراك بقنوات مشفرة، كما قدمت المتابعة المختلطة لمباريات كأس العالم صورة من صور المساواة بين الجنسين، ويشير الخبراء إلى أن الاختلاط في المجتمع التونسي ليس بدخيل في بلد يتبنى قيم الحداثة منذ استقلاله. لكن ما يثير الانتباه أن كرة القدم أزالت التمييز في الوقت الذي لم تنجح فيه التشريعات القانونية بعد في تأمين مناخ الحريات العامة والفردية في البلاد.

تونس- أثناء مشاهدة أول مباراة لتونس أمام منتخب إنكلترا، تجمع التونسيون من مختلف الفئات العمرية أمام الشاشات العملاقة التي خصصتها مقاه ومساحات عامة أخرى لمتابعة فريقهم الوطني، الذي يشارك في مسابقة كأس العالم المقامة حاليا في روسيا من 14 يونيو إلى 15 يوليو القادم.

وأقبل التونسيون بشكل جماعي لدعم منتخب بلادهم، ولم يقتصر التشجيع على الحضور الذكوري بل واكبت النساء بشكل لافت الحدث الرياضي، فقد ارتدين الألوان الحمراء والبيضاء وأقمصة المنتخب والعلم التونسي وتقاسمن مع الرجال هتافات الحماس كما شاركوهم انفعالات الغضب.

وشهد مسرح الجم الروماني التاريخي بمدينة المهدية (وسط تونس) حضور ما يزيد عن 12 ألف تونسي وتونسية، اجتمعوا قبل ثلاث ساعات من المباراة وإلى حدود نهايتها. فيما اجتمعت الجماهير قبالة ملعب أولمبي المنزه بالعاصمة التونسية أين نصبت شاشة عملاقة في ساحة مفتوحة لمؤازرة الفريق الوطني رغم بعد المسافة عن ملعب “فولغوغراد آرينا” بروسيا. وتكرر هذا المشهد في أغلب المدن التونسية.

ومنذ إعلان حكم المباراة صافرة البداية عكف الجميع أمام الشاشات، الرجال والنساء والأطفال، الكل كان يردد الأهازيج حيث غابت ألوان الأندية المحلية ليجتمع الكل على مساندة المنتخب التونسي. وما بقي في الذاكرة من تلك المباراة، التي لم تحقق آمال الفوز، هو تفاعل الجمهور مع كل الحركات وسكنات المنتخب، حيث وحدت الهزيمة مشاعر التونسيين وكان الاستياء عام يكشف أن رياضة كرة القدم استطاعت أن توحد صفوف التونسيين فيما فشلت نخبهم السياسية عن ذلك.

وبنظرة أعمق استطاع احتفاء الجماهير بالرياضة الشعبية أن يلغي فوارق واختلافات اجتماعية تعمّقت في تونس ما بعد ثورة يناير 2011 بسبب الضغوط الاقتصادية فمشاعر الوطنية العالية تغلبت عليها. فيما تعكس مواكبة سباق كأس العالم بشكل مختلط صورة من صور المساواة التي تنادي بها البلاد، وتشكّل أحد أوجه مدنية الدولة وشاهد آخر على حداثتها.

مساواة رياضية

أحلام بلحاج عمارة: مشاعر الانتماء تدفع النساء إلى متابعة كرة القدم في المناسبات الرياضية الكبرى
أحلام بلحاج عمارة: مشاعر الانتماء تدفع النساء إلى متابعة كرة القدم في المناسبات الرياضية الكبرى

يكشف هوس النساء بمتابعة المقابلات الرياضية عن تحولات اجتماعية. ويلفت المتابعون إلى أن المعطى الجديد في هذه الظاهرة هو أن مشاهدة رياضة كرة القدم في المقاهي لم تعُد حكرا على الذكور في تونس بل يجتمع كلّ من الجنسين في فضاء مختلط لمتابعة رياضتهم المفضلة. ويؤكد الحضور النسوي بالمقاهي تطور المجتمع التونسي ومنهجه الحداثي والتزامه بمبدأ المساواة بين الجنسين من جهة، وينفي عنه تهم التطرف التي تلاحقه بعد سقوط شباب تونسي في فخ الاستقطاب نحو بؤر التوتر من جهة أخرى.

ويشير ممدوح عزالدين، خبير علم الاجتماع في تصريح لـ“العرب” أن “التجاء الجنسين إلى مشاهدة المباريات الرياضية في تونس شاهد على حداثة المجتمع”. غير أن عزالدين يرى أن هذا “التحرر يحمل شكل الحداثة الفردانية: أي سلوك شخصي وليس ظاهرة اجتماعية”.

ورغم الإشادة بمناخ الحريات في تونس يقول المراقبون إنه بحاجة إلى مزيد من الجهد حتى يتسق ومبادئ دستور 2014. وترى تونس أن تطبيق مبدأ المساواة بين الجنسين هو الطريق الحقيقي نحو تعزيز قيم الديمقراطية في الجمهورية الثانية.

وتعمل لجنة الحريات الفردية والمساواة (لجنة رئاسية) على سنّ إصلاحات تشريعية متعلقة بالحريات الفردية والمساواة تخص مواضيع شائكة من بينها قضية المساواة في الإرث والتي أثارت جدلا واسعا.  ويشير حقوقيون إلى أن الاختلاط في تونس ليس دخيلا على المجتمع أو عادة جديدة، فمنذ الاستقلال اختارت البلاد أن تدعم منهجا حداثيا يجيز للنساء التمتع بمواطنتهنّ بحرية ولهن الحق في ممارسة النشاطات الثقافية والرياضية والاجتماعية والسياسية بصفة متساوية مع الرجال.

وتقول أحلام بلحاج عمارة وهي ناشطة حقوقية نسوية لـ”العرب” إن “الاختلاط في تونس ليس بغريب في بلد الطاهر الحداد وحبيب بورقيبة الذي حرر المرأة بعد تحرير البلاد من الاستعمار”، وأشارت إلى أن “نساء تونس يقاسمن الرجال الحس الوطني ويدعمن صورة الوطن في الخارج”. وتابعت “مشاعر الانتماء تدفع النساء إلى متابعة كرة القدم في المناسبات الرياضية الكبرى.. ومساندة المنتخب لم تعد حكرا على الرجال في مجتمع يدعم مبدأ التناصف ويرسخ المساواة منذ النشأة”.

وتعتقد بلحاج عمارة أن “الحضور النسوي في الملاعب وفي أي فضاء رياضي من شأنه أن يخفف من الأجواء المشحونة ويقلص من العنف”. ويتسق رأي بلحاج عمارة مع رأي درة محفوظ التي تلاحظ مدى تطور المجتمع التونسي وتجاوزه عائق التمييز. وتقول محفوظ لـ”العرب” إن “كرة القدم تحولت إلى رياضة مشتركة تحوز على اهتمام الجنسين”.

ويحمل الإقبال على رياضة كرة القدم علاوة على بعده الترفيهي، بعدا سياسيا، حيث يكشف التردد على الفضاء الرياضي عزوف الشباب عن الشأن العام واستيائهم من نخبهم السياسية بعد الثورة، وإن كانت الملاعب متنفسهم للتعبير عن رفضهم سياسة القمع ونظام الحزب الواحد قبل الإطاحة بنظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي إلا أنها تحولت في ما بعد إلى فضاء للهروب من واقع يحاصره فشل الحكومات المتعاقبة بعد أن خذلتهم ولم تف بوعودها في توفير مواطن شغل وتنمية عادلة بين الجهات.

ويشير عزالدين إلى أن “الفضاء الرياضي كان قبل الثورة متنفس الشباب وشكلا من أشكال الاحتجاج والتعبير عن الرأي عندما كان الفضاء السياسي مغلقا”. واستدرك بقوله “لكن بعد الثورة أصبح فضاء ترفيهيا يتجنب فيه الشباب الخوض في الأزمات”. وتابع “الشباب التونسي يلتجئ للمقاهي بعد أن عجز عن الاندماج في الحياة السياسية”.

ويلاحظ المراقبون أن المظاهر الإيجابية التي تغزو المجتمع التونسي كالهوس بالرياضة والمواقع الاجتماعية وحب الترفيه وأخرى سلبية كالهجرة غير الشرعية والاستقطاب نحو بؤر التوتر تعبّر عن تطلعات الفئة الشابة في تونس بعد الثورة وتعدّ مقياسا يرصد تحوّلات المجتمع. ويلفت هؤلاء أن كرة القدم ألغت فوراق اجتماعية تتعّمق يوما بعد يوم بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة فالجميع متساو أمام عشق هذه الرياضة.

تجاوز الفوارق

الشغف بكرة القدم الذي يتضاعف مع بطولة كأس العالم يصطدم أمام التكلفة الباهظة لمعاليم الاشتراك في القنوات التي تحتكر بث البطولة، وأمام غلاء المعيشة والضائقة المادية يلجأ المواطن إلى ارتياد المقاهي حيث تعجز الطبقة الوسطى والضعيفة عن تغطية تكاليف مشاهدة الحدث الرياضي على قناة مشفرة. ويتضح بذلك حجم الضغوط الاقتصادية التي يعاني منها التونسيون أمام اقتصاد متهاو ومؤشر نموّ ضعيف منذ اندلاع ثورة يناير عام 2011.

ويشير عبدالستار السحباني الخبير في علم الاجتماع لـ“العرب” إلى أن “التونسي لم يعد قادرا على تكلفة الاشتراك بالقنوات المشفرة”. مضيفا أن “حال الدولة والحكومة هو الأسوأ التي لم تعد قادرة هي الأخرى على شراء حقوق بث المباريات الوطنية ونقلها على التلفزيون الرسمي كما السابق”. واكتفى التلفزيون التونسي الرسمي ببث مقابلات المنتخب الوطني على القناة الأرضية فقط.

ويحرم احتكار حقوق البث واشتراكات في قنوات مُشفرة الكثيرين في تونس والعالم العربي من متعة المشاهدة والتشجيع. ويرى السحباني أن “المواطن بات مجبرا على مشاهدة الأحداث الرياضية الكبرى في المقاهي”. وتابع “تحول المقهى في تونس إلى ملعب حيث انفعالات الجمهور والتحليل الرياضي الممتع”. لافتا إلى أن “المشاهدة في المقاهي بالنسبة للتونسي تحمل أريحية أكبر فهي فضاء ترفيهي تجنّبه الضغوط”.

ويلفت المراقبون إلى أن الطبقات الاجتماعية التي أقبلت على المشاهدة الجماعية لمباراة تونس في كأس العالم رغم اختلافاتها تخفف من الفوارق الاجتماعية لكن لا تلغيها. ويرى فتحي الجراي، أستاذ علم الاجتماع ووزير التربية الأسبق في تصريح لـ“العرب” أن “الفوارق الاجتماعية تتلاشى عند دعم الرموز الوطنية في المناسبات الرياضية لكن لا تقلص من حدة الفروق الاقتصادية”.

ويضيف “ليس كل الناس قادرة أن تؤم المساحات الرياضية، فالأزمة تهدد بتآكل الطبقة الوسطى”. وعلى غرار الضغوط الاقتصادية يرى آخرون أن الفوارق الاجتماعية في الأحداث الرياضية تتلاشى بصفة نسبية وليست كلية، وبالمثل يتجاوز محبّو كرة القدم التباينات السياسية التي تعيق تحديد مصير الحكومة الحالية، فعند متابعة المباراة لا هاجس غير الفوز، لكن بمجرد انتهاء المناسبة الرياضية سيعود الجدل حول الواقع السياسي للبلاد.

ويلفت نوفل اليوسفي رئيس الجمعية التونسية لجودة الحياة لـ“العرب” أن هناك ضوابط أسرية وأخلاقية لازالت راسخة في أذهان المجتمعات وهي تحول دون إذابة الجليد بين هذا المجتمع وذاك. مشيرا إلى أن “كأس العالم ليس مناسبة حديثة بمعنى لو نجح في تبديد الفوارق الاجتماعية لنجح منذ زمن بعيد”.

20