كرة القدم وعنف المشجعين ميدان لتفريغ العواطف

السبت 2014/10/18

نالت أخبار الشغب الذي جرى في البرازيل، الصيف الماضي، تغطية إعلامية واسعة ما قبل كأس العالم مرورا بأحداث البطولة التي حدث فيها "زلزال" رياضي بالنسبة إلى مشجعي الكرة البرازيلية، تلخّص في خسارة المنتخب صاحب الأرض أمام ألمانيا بسبعة أهداف لهدف.

خلال المباراة وفي اليوم التالي، احتلت صور المشاهدين المذهولين والمصدومين حيّزا كبيرا في وسائل الإعلام، وكان ثمة خشية كبيرة من اندلاع مزيد من أحداث الشغب التي كان لها في تلك اللحظة، بالنسبة إلى البرازيليين في الشارع، ما يبررها؛ فبعد الإنفاق غير المسبوق على حساب فقراء البلاد، خرج منتخبهم بطريقة مذلّة، وهو ماعبّر عنه كثيرٌ من البرازيليين بأنها كارثة "وطنية" و"اقتصادية" و"تاريخية".

هذا العنف الجماهيري بات معتادا منذ عقود، لكنه يزداد بازدياد حدة التعصب والتشجيع المبالغ فيه بسبب ما أصبحت عليه كرة القدم من "بزنس" يتجاوز حدود لعبة رياضية. أصبح كلّ شيء محسوب بدقة، وبات من الأكيد أن شركات التسويق ومحطات التلفزة ومواقع المراهنات تتحكم بكثير من سياق اللعبة الشعبية التي لم تعد متاحة من ناحية الفرجة كما كانت من قبل، فاليوم كل شيء مرتبط بالاحتكار. هذه العوامل بالتحديد، مع الدور الفاعل للإعلام الذي يقوم بدورين متناقضين؛ من تعبئة وشحن مبالغ فيهما أحيانا لاكتساب المزيد من المتفرجين، وتصريح -خجول- بألّا يتعدى الأمر حدود الرياضة، كلها عوامل تلعب دورا في تكريس ظاهرة العنف لدى جماهير كرة القدم.

دفعت حالات العنف والشغب المتكررة إلى إنجاز دراسات اجتماعية تحاول دراسة جذور هذه الظاهرة، ومحاولة فهمها من الداخل ومعالجتها والتخفيف من آثارها. حيث يعود هذا العنف إلى كرة القدم الإنكليزية في القرن الثالث عشر، حين كان مئات الرجال يتنافسون في الميدان لفضّ النزاعات بين القرى، عنف ملازم لكرة القدم، أصبح اسمه "شغب (هوليغانيزم) كرة القدم".

استمر هذا العنف حتى نال في ستينات القرن العشرين لقب "المرض البريطاني". في دراسة اجتماعية حول عنف كرة القدم، يقول البروفيسور ستيف فروسديك (الذي ساهم في إنجاز الدراسة مع عالم النفس بيتر مارش): "منذ الستينات حتى الثمانينات، شهدنا أمثلة على تحوّل حالات عنف "عفوية" تواكب كرة القدم في المملكة المتحدة لتصبح شغبا منظما مرتبطا بهذه الرياضة.

أصبحت جماعات من الهوليغانز الشباب، ممن يدعون أنفسهم "المتعنتين"، يتجمعون ويلتقون في الملاعب لحل خلافاتهم". حتى بات هذا اللقب "هوليغانز" ملازما للجمهور الإنكليزي أينما حلّ في العالم خلال مشاركة المنتخب الوطني في منافسات قارية أو عالمية.

لكن هذا العنف يأخذ أبعادا أخطر عندما يتم تسييسه وإسباغ صفات قومية، مذهبية، سياسية، طبقية أو دينية عليه. ولتفادي الصدامات بين المشجعين، كان يتم تحصين الملاعب بقوات أمن عبر إجراءات أمنية تتمثل في وجود فواصل واسعة بين الجمهورين، لكن هذا لم يكن ليُجدي في كارثة ملعب هيزل في بلجيكا في العام 1985، يوم التقى فريقا ليفربول الإنكليزي وجوفنتوس الإيطالي، وكانت ضحية اشتباك الجماهير، انهيار سور الملعب ممّا خلف 39 قتيلا ومئات الجرحى.

ثم في 1989، كان ضحية الازدحام الشديد لجمهورَي ليفربول ونوتنغهام فوريست على الأسوار دهس أكثر من 96 شخصا.

وبحسب دراسة أعدّها عالم الاجتماع إريك داننغ، فإن التنافس الرياضي يشكّل حاملا لعناصر تتراكم وتلقي بثقلها عليه، فتخرج المنافسة عن السياق الرياضي ليتم تحميلها قضايا عنصرية، طبقية، تاريخية، دينية وما شابه. لهذا، تحمل المنافسة طابعا عدائيا كبيرا بين فريقي ريال مدريد الأسباني و"مواطنه" برشلونة "الكتالوني"، وفي إيطاليا؛ يظهر التنافس بين الشمال الصناعي الغني ممثلا بجوفنتوس (تورينو) في مواجهة الجنوب الزراعي متمثلا بفريق مدينة نابولي. أما في اسكوتلندا، فيخذ التنافس طابعا دينيا حين يلعب سلتيك "الكاثوليكي" مع رينجرز "البروتستانتي".

وفي كتابه "كرة القدم، العنف والهوية الاجتماعية" (1994) يُبرز جيري .ب.ت. فن، أن أسباب هذا التعصب الكبير يعود إلى "التماهي الانفعالي مع النادي، ووجود منافسة تتخذ شكل "صراع" أخلاقي أو قيمي، يبالغ الجمهور في التعامل معه فيحسب أفراده أنهم على درجة الأهمية من اللاعبين".

يمكن تطبيق هذه النظرية على كثير من الدول، من أميركا الشمالية إلى الوسطى (يبرز مثال "حرب كرة القدم" القصيرة التي نشبت بين سلفادور وهندوراس خلال تصفيات كأس العالم 1970) وحتى في الدول العربية التي تتخذ المنافسة الكروية فيها طابعا حماسيا وعاطفيا كبيرا. فإذا ما كان الأفراد يشاركون في حضور حدث عنيف، فسوف يشعرون - بشكل طبيعي- بمزيد من الغضب والاستعداد للسلوك العنيف. باختصار؛ هذه التجربة التشاركية تضخّم ردة فعلنا تجاه الحدث".

23