"كرتواكو" قصص بحرينية بدلالات مبطنة

السبت 2017/04/08
هواجس الكاتب العربي

تتنقل مجموعة “كرتواكو” القصصية للكاتب البحريني عبدالعزيز الموسوي، بين عدّة ثيمات تلامس الهم الإنساني والسياسي معاً، فالأحداث في تفاصيل سردها تتأرجح بين المنتصر والمهزوم، وبين الشر والخير، وبين الذاتي جداً والعام المطلق. لهذا لا يستطيع القارئ بسهولة أن يتبيّن في أي بقعة تدور القصة، لأنها تمثل العالم العربي برمته، وذلك من خلال تعاطيها مع الآخر سواء أكان شبيهاً أم مغايراً، مختلفاً أو متشاكلاً، كما يظهر ذلك في قصة “كرتواكو” وقصة “احتكاك”، و”صفعة البر”، و”انتقام ضاحك”، وغيرها.

ورغم اهتمام الموسوي بتفاصيل الحدث الإنسانية الصغيرة فإنه لا يغفل الجانب السياسي، لا سيما بعد تداعيات الربيع العربي على المنطقة، فيظهر الجانب المعتم من السلطة من خلال تعاطيها مع شعبها الذي يتمثل في شخصيات قصصه المعتقلة أو المضطهدة أو الخائفة والمستسلمة.

قسّم الموسوي مجموعة “كرتواكو”، الصادرة مؤخراً عن دار فراديس البحرينية، إلى جزأين، اختص الجزء الأول بالقصص القصيرة ذات الشخصيات المعقّدة حيناً، والبسيطة حيناً آخر، وذلك بهدف إظهار القضايا المستورة عبر دفعها لصناعة أفعال بطولية كما في نص “قاهر الموت” و”صفعة البر”.

بينما اقترب الجزء الثاني الذي عنونه بـ “ذخيرة ميتة” من مواكبة القضايا السياسية الراهنة وما يشهده الوطن العربي من تداعيات الحروب، والأيديولوجيات، وظهور كيانات مفزعة وسط الدمار والحرب، الأمر الذي دفع الموسوي إلى كتابة مقاربات قصصية أشبه بالطلقات الحية القصيرة المحشوّة بالدهشة وبالأسئلة الحرة ليعيدنا كما يعبّر هو إلى “مربع الهوية والانتماء والإنسانية المعرضة للتوحش في زمن حوار الأسلحة، فعندما تسأل الرصاصة يجيبها المدفع، وخلف هذا الحوار تجد صوراً لجثث وأعضاء مبتورة وجماعات تنزح وتغرق، وتباع وتشترى، فتجد التضحيات في النصوص، كما ستشاهد الأقنعة أثناء سقوطها”.

تحيل الأحداث في قصص “كرتواكو” إلى هواجس الكاتب العربي وهو يحاول أن ينتقد منظومة السلطة السياسية، حيث يجنح غالباً إلى الرمز والمجاز أو التخطيط الذكي لتمرير الأفكار بعناية، لا يمكن من خلالها أن يقبض عليها الرقيب بسهولة. ففي قصة “رصاصة انشطارية” يمضي الموسوي في كتابة بنود سؤاله السياسي، وكأنه يقفز حذراً في حقل من الألغام عالية الخطورة، ويقف على جسد الضحية دون أن يوجه أصابع الاتهام بشكل مباشر إلى أحد بعينه. وتتقاطع قصة “توافق” مع هذه الإحالة، ولكن على مستوى آخر من الرؤية، حيث تحضر السخرية من المنظومة السياسية العربية دون تخصيص جغرافيا بعينها.

بجوار الهاجس السياسي يحاول الموسوي أن يلمس عبر مجموعاته القصصية بالعموم قضايا الإنسان البسيط مستحضراً ذاته وهو يواجه مصيره الكوني وجهاً لوجه أمام مصائر الآخرين، الذين يراهم جحيماً وفق منظور سارتر. ففي قصة “كرتواكو” التي ترتكز عليها المجموعة في اسمها يرسم الموسوي ملامح أوضاع العمالة الآسيوية في الخليج (ويستطيع القارئ أن يعمم الجغرافيا هنا)، وكيف يتم التعامل اللاإنساني معهم من قبل كفلائهم الذين يمتلكون السلطة المالية في البلاد.

بجوار الهاجس السياسي يحاول الموسوي أن يلمس عبر مجموعاته القصصية بالعموم قضايا الإنسان البسيط مستحضراً ذاته وهو يواجه مصيره الكوني وجهاً لوجه أمام مصائر الآخرين، الذين يراهم جحيماً وفق منظور سارتر

يتجلى القاص العليم الواعي -الذي ينبذه الموسوي- بوضوح في قصة “قاهر الموت”، حين يقطع مسلسل السرد القصصي مستحضراً رأي الراوي حول النقاد ومدى يقظته لأدواتهم، فهو-وفق هذا الوعي- يختار مفرداته بعناية شديدة ويبرر لها بسيل من الحوارات الداخلية.

الأمر نفسه ندركه معه في حديثه عن “مكيدة الراوي العليم”، وكيف أن هذه التقنية المزدوجة الواقعة بين رواية الحدث وحدث الرواية تنطوي على دلالات مبطنة أراد الموسوي أن يمررها ليعبّر عن موقفه الثقافي للناقد الأدبي بصورة فنية غير مباشرة.

نحن إذاً أمام كتاب لا يشتمل على مجموعة قصص قصيرة فحسب، بل على قصص ذات تقنية مركبة من عدّة أصوات تشتمل على موقف نقدي وسلطة سردية ترغب في الكتابة عن الإنسان وعن السلطة وعن المجتمع وعن نفسها بكل حرية، بعيداً عن أدوات النقاد وتنظيراتهم.

وربما يستحضر القارئ هنا تفاصيل “تيار الوعي” لوليام جيمس وجيمس جويس.

17