كردستان الحلم: دولة فاشلة على أرضية جيوسياسية هشة

توجه أكراد العراق صباح الإثنين 25 سبتمبر 2017، إلى مراكز الاقتراع للتصويت على استقلال إقليم كردستان رغم الضغوط التي تمارسها بغداد وتهديدات تركيا وإيران وتحذيرات دولية من أنه قد يشعل المزيد من الصراعات في المنطقة. ويهدف الاستفتاء غير الملزم إلى منح تفويض لرئيس الإقليم مسعود البارزاني لإجراء مفاوضات على الانفصال، في خطوة محفوفة بالمخاطر والتعقيدات لا يطمح البارزاني إلى أن تؤدي في نهايتها الطويلة إلى الانفصال بقدر ما يتطلع إلى استغلال المرحلة الراهنة وكسب أكبر قدر ممكن من النقاط لصالحه قبل إغلاق نافذة الدعم الأميركي التي فتحتها الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية.
الثلاثاء 2017/09/26
كركوك خير مثال عن المخاوف والتشنجات السائدة بسبب الاستفتاء

بغداد- تصف بعض القيادات الكردية الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان العراق بأنه فرصة تاريخية يمكن للأكراد من خلالها تحديد مصيرهم بعد سنوات من القمع. ومع ذلك لم يكن هناك حماس يذكر للتصويت في مدينة السليمانية. ففي الساعات الأولى من عملية التصويت لم تقف طوابير طويلة أمام مراكز الاقتراع مثلما كان متوقعا من شعب يحلم طول حياته بدولته المستقلة.

وبعد مرور حوالي ساعتين على فتح مراكز التصويت كان عدد محدود فقط من الناس يدلون بأصواتهم وكان الهدوء يسود جانبا كبيرا من السليمانية. وسلط التناقض الحاد بين هذا الهدوء والاحتفالات التي شهدتها مدينة كردية كبرى أخرى هي أربيل عاصمة الإقليم الضوء على الانقسامات بين الأحزاب السياسية الرئيسية في ما يشير إلى مشاكل تنتظر الإدارة التي ستتولى شؤون أي دولة قد تنشأ عن الاستفتاء مستقبلا.

وقد حذر بعض المسؤولين في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يتخذ من السليمانية مقرا له من أن الاستفتاء قد يجلب مشاكل مع تركيا وإيران مشيرا إلى أنه يجب أن يجرى في وقت أنسب. ومع وجود نحو 30 مليون كردي بالمنطقة متناثرين عبر الحدود الدولية تخشى طهران وأنقرة من انتشار النزعات الانفصالية بين أكرادهما. وحذرت وزارة الخارجية الأميركية حكومة كردستان العراق الأسبوع الماضي من أن “إجراء الاستفتاء، خاصة في المناطق المتنازع عليها، أمر مستفز ومثير للاضطرابات”.

الأوضاع المحيطة بالاستفتاء بشأن استقلال إقليم كردستان العراق ومعه المناطق المتنازع عليها، في غاية التعقيد

وهددت طهران بغلق الحدود. وأعلنت حظر الرحلات الجوية إلى إقليم كردستان ومنه، في حين طلبت بغداد من الشركات الأجنبية التوقف عن تجارة النفط مع كردستان وطالبت الإقليم بتسليمها السيطرة على المطارات الدولية والمراكز الحدودية مع إيران وتركيا وسوريا. وتوعدت تركيا باتخاذ عدة خطوات ضد الأكراد إذا ما أُجرِيَ الاستفتاء في إقليم كردستان العراق. ومن بين هذه الإجراءات وقف تدفقات النفط من شمال العراق عبر أراضيها إلى الأسواق العالمية.

ويبدو أن الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان العراق نجح في أن يجمع مختلف القوى الفاعلة في أزمات المنطقة ضمن موقف مشترك وهو رفض المشروع الانفصالي الذي يروج له أكراد العراق. تركيا، وإيران، وروسيا، والولايات المتحدة، ومختلف الدول العربية كلها قالت لا لأزمة جديدة في العراق، ولا لانشطاره وانفصال الجزء الكردي عن بقية الخارطة العراقية، فيما كانت “نعم” هي الغالبة في الداخل، رغم معارضة الحكومة في بغداد ورفض الأحزاب السياسية المتصارعة، وعدد كبير من العراقيين من مختلف الإثنيات، عربا وتركمان، وأيضا جزء من الأكراد.

ويقول أكراد العراق كذلك إن الاستفتاء يقر بمساهمتهم الحيوية في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية بعد أن تفوق التنظيم المتشدد على الجيش العراقي في 2014 وسيطر على ثلث العراق. على قدر الرفض كانت استفادة دعاة الانفصال، بقيادة رئيس إقليم كردستان العراق، سواء لحث الأكراد على التصويت أو لتقوية موقفه تحسبا لأي اقتراح أو محاولة تسوية يكون فيها الأكراد الطرف الأقوى، وليواصلوا اللعب إلى أقصى حدود لعبة الاستفتاء قبل انغلاق نافذة الدعم الأميركي.

ويؤكد خبراء أن دولة كردستان ستبقى حلما أكبر من الواقع، وأن الانفصال التام بين بغداد وأربيل أمر يكاد يكون مستحيلا في المرحلة الراهنة على الأقل، وعلى المدى البعيد، بسبب تداخل المصالح وتعقيدات مسألة الحدود والنفط والمعابر وغيرها، بالإضافة إلى رفض القوى الدولية. لذلك، من المتوقع أن تستغرق المفاوضات بعد إعلان نتائج الاستفتاء شهورا طويلة وحتى سنوات من محاولة إيجاد صيغة للعملية السياسية المعقدة.

انقسامات داخلية

لن يكون مصدر التعقيد الرفض الخارجي فحسب، بل أيضا الأزمات داخل الإقليم نفسه، حيث تتعمق أزمة سياسية كبرى تجلت واضحة خلال الحملة الداعمة للاستفتاء وأيضا يوم التصويت. ومنذ فترة طويلة يشهد إقليم كردستان انقساما سياسيا بين الحزب الديمقراطي بزعامة البارزاني وحزب الاتحاد الوطني بزعامة جلال الطالباني. وتفاقمت هذه التوترات في أحدث حلقاتها بتمديد فترة ولاية البارزاني.

ويصر الحزب الديمقراطي الكردستاني في أربيل على أن الوقت حان لكي يدير الأكراد شؤونهم بعد سنوات عديدة من الاضطهاد على أيدي صدام حسين وغيره، فيما يرى حزب الاتحاد الوطني أن قيام دولة كردية قائمة بذاتها سيبقى حلما بعيدا عن الواقع. وتجلى هذا الانقسام من خلال الإقبال على التصويت حيث تجنب بعض سكان السليمانية الاستفتاء مفضلين الحذر، على عكس أهالي أربيل.

مستقبل دولة كردستان المستقلة والمستقرة ليس مضمونا

ويهيمن الحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة رئيس إقليم كردستان الحالي مسعود البرزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، بزعامة رئيس العراق السابق جلال الطالباني، على النظام جنباً إلى جنب مع اثنتين من الأسر الحاكمة هما البارزاني والطالباني. ويشير كاوه حسن، الباحث في مركز كارنغي، إلى أن إقليم كردستان العراق يتمتع بقدر أكبر من الاستقرار والتنمية الاقتصادية مقارنة بالوضع في بقية البلاد. غير أن السلطة تتركّز في أيدي الأحزاب والأسر الحاكمة، التي تعمل على إدامة نظام سلطاني غير ديمقراطي.

وخاض الجانبان حربا أهلية خلال التسعينات من القرن الماضي. وعاد شبح هذه الحرب للظهور مجددا على وقع الاستفتاء حيث يشير بعض المراقبين إلى أن تاريخ الصراع بين الطرفين سيكون أحد الأسباب التي ستمنع قيام دولة تحمل كل مقومات الفشل؛ فمن الممكن أن تدفع التحوّلات التي قد يأتي بها الانفصال إلى اقتتال مسلّح وحرب جديدة في منطقة شديدة الهشاشة.

ويرى جوست هلترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، أن الأكراد لا يملكون في الوقت الراهن مشروعا سياسيا يرمي إلى إقامة دولة. ولهذا جذور تاريخية موغلة في القدم. فمع تداعي الإمبراطورية العثمانية، اقتصر الحديث حول استقلال الأكراد على منطقة صغيرة تشكّل جزءا من تركيا الراهنة. ويقول الأكراد إنهم وُعدوا بالحصول عليها بموجب معاهدة سيفر في العام 1920، ثم سُحب منهم ذلك بعد ثلاث سنوات بموجب معاهدة لوزان.

وفي العام 1946، أعلنت مجموعة من القوميين الأكراد بقيادة مصطفى بارزاني عن تشكيل كيان كردي صغير ومستقل في منطقة صغيرة من إيران، حمل اسم جمهورية مهاباد ولم يعمّر طويلاً. والآن، يقود مسعود، نجل مصطفى، هذا المسعى الجديد لتحقيق الاستقلال، وهو يشمل فقط المناطق ذات الغالبية الكردية في العراق. لكن حتى هذا الهدف يبدو بعيد المنال، بسبب الانقسامات.

ويضيف هلترمان، في مقابلة أجراها معه مايكل يونغ، الباحث في معهد كارنغي، أن القيادة الكردية التي دعت إلى الاستفتاء لا تضم سوى البارزاني وحزبه الديمقراطي الكردستاني. وهما يستخدمان غطاء حكومة إقليم كردستان التي يسيطران عليها بالكامل، لكنهما لا يحظيان بالشرعية الكاملة فيها. إذ هما أقصيا شريكيهما في الحكومة، حزب الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة غوران (التغيير) اللذين يقع مقرّهما في السليمانية، بفعل الصراع حول مسألة الخلافة الرئاسية قبل سنتين.

إنتاج نفطي وركود اقتصادي

يعد إقليم كردستان العراق، منطقة غنية بالنفط تتمتع بالحكم الذاتي منذ 1991 وحليفا أساسيا في التحالف الدولي ضد الجهاديين. ويبلغ عدد سكان الإقليم الواقع في جبال شمال العراق والغني بالنفط 4.69 مليون نسمة (ما بين 15 إلى 20 بالمئة من إجمالي سكان العراق)، غالبيتهم العظمى من الأكراد، بالإضافة إلى أقلية من التركمان، وأكثريتهم الساحقة من المسلمين السنة.

وللإقليم لغتان رسميتان هما العربية والكردية. أما المحافظات التي يتشكل منها فثلاث هي دهوك وأبريل والسليمانية، علما بأن الأكراد يتنازعون مع بغداد على مناطق أخرى أبرزها كركوك، المحافظة المتعددة الأعراق والغنية بالنفط والتابعة للحكومة الاتحادية. وسيطرت قوات البشمركة الكردية عمليا على محافظة كركوك بعد انهيار قوات الجيش في 2014 إثر هجوم لتنظيم الدولة الإسلامية.

وعلى الرغم من ثرواته النفطية إلا أن الإقليم يواجه أوضاعا اقتصادية صعبة مردها خصوصا انهيار أسعار الذهب الأسود بالإضافة إلى ازدياد الإنفاق العسكري لتلبية احتياجات الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية الجهادي.

وتعتبر القوات الكردية “البشمركة” حليفا أساسيا للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وقد تمكنت هذه القوات بدعم من التحالف من دحر الجهاديين من المناطق الحدودية مع إقليم كردستان.

وشاركت قوات البشمركة خصوصا في المعارك التي جرت ضد الجهاديين في محافظة نينوى (شمال العراق) وعاصمتها مدينة الموصل التي اندحر التنظيم الجهادي منها في 10 يوليو بعد قتال عنيف استمر شهورا بينه وبين القوات العراقية. ويؤوي الإقليم أيضا عشرات الآلاف من النازحين الذين فروا من ديارهم بسبب سيطرة تنظيم الدولة الاسلامية عليها أو بسبب المعارك التي جرت لدحره منها.

الأكراد لا يملكون في الوقت الراهن مشروعا سياسيا يرمي إلى إقامة دولة. ولهذا جذور تاريخية موغلة في القدم

أصبح إقليم كردستان العراق، وعاصمته أربيل، منطقة تتمتع رسميا بحكم ذاتي بموجب الدستور العراقي الذي أقر في 2005 وحوّل العراق إلى جمهورية فيدرالية. لكن هذا الوضع لم يكن مستجدا على الإقليم، فهو عمليا يتمتع بحكم ذاتي منذ حرب الخليج في 1991.

واعتبارا من 1992 انتخب أكراد الإقليم برلمانا وشكلوا حكومة، ولكن سرعان ما أصيبت هاتان المؤسستان بحالة شلل استمرت من 1994 إلى غاية 1998 وذلك بسبب المعارك الدامية التي اندلعت بين الحزبين الرئيسيين في الإقليم؛ الحزب الديمقراطي الكردستاني ومنافسه الاتحاد الوطني الكردستاني. وفي 2003 انضم الأكراد إلى التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة للإطاحة بنظام صدام حسين. وبعد نيل الإقليم رسميا الحكم الذاتي في دستور 2005 تشكّلت اعتبارا من 2006 إدارة موحدة.

وفي أغسطس 2015 انتهت ولاية مسعود البارزاني الذي انتخب رئيسا للإقليم في 2005، لكن زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني لم يتنح عن السلطة على الرغم من انتقادات المعارضة. أما برلمان الإقليم فعُلّقت أعماله في 2015.

في 3 فبراير 2016 أكد مسعود البارزاني أن “الوقت حان” لكي يقرر أكراد العراق مصيرهم في استفتاء على الاستقلال عن بغداد. وقال يومها إن “هذا الاستفتاء لن يؤدي بالضرورة فورا إلى تشكيل دولة (كردية) لكنه سيتيح معرفة إرادة ورأي شعب كردستان بشأن مستقبله”.

وفي 7 يونيو 2017 حدد البارزاني يوم 25 سبتمبر موعدا لإجراء الاستفتاء على استقلال الإقليم، في خطوة رد عليها رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بالقول إنه يتفهّم رغبة الأكراد ولكن عليهم في الوقت نفسه احترام الدستور. وفي 15 سبتمبر صادق برلمان الإقليم على إجراء الاستفتاء في موعده المقرر. وأعلنت دول عدة أبرزها الولايات المتحدة وتركيا وإيران رفضها لمشروع الاستفتاء.

7