كردستان العراق لم يعد قادرا على احتضان المعارضة الكردية الإيرانية

موجة اغتيال لقادة الأحزاب تنفذها عناصر من فيلق القدس، ونفوذ طهران يفقد المعارضة الإيرانية حاضنتها بشمال كردستان.
السبت 2018/04/21
إقليم كردستان لم يعد آمنا

أربيل - يتهم قادة ومسؤولون في أحزاب كردية إيرانية معارضة للنظام في طهران، وتتخذ من إقليم كردستان العراق مقرا رئيسيا لها، إيران بالقيام بعمليات تصفية واغتيالات، زادت وتيرتها في السنوات الأخيرة بعد أن تمدد نفوذ إيران في إقليم كردستان العراق، في الشرق أساسا، كما في كامل العراق. وتقدر جمعيات حقوقية في الإقليم أن عدد القتلى خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي والأعوام الثلاثة الماضية تجاوز عشرة أشخاص من قادة وكوادر بارزين في الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة في إقليم كردستان.

في الثاني عشر من شهر أبريل الحالي تعرض حسين يزدان بنا، الأمين العام لحزب حرية كردستان، لهجوم مسلح، في حادث تكرر كثيرا في الفترة الأخيرة، حتى أصبحت أخبار اغتيال قادة وكوادر الأحزاب المناهضة لإيران عناوين دائمة للصحافة الكردية، وتدل جميع المؤشرات على أن إقليم كردستان لم يعد منطقة آمنة لتلك القوى.

تأتي هذه الاغتيالات لتضاعف من الصعوبات المتزايدة التي يواجهها الأكراد، الذين يمرون بفترة من أضعف فتراتهم سياسيا، بعد أن كانوا قاب قوسين أو أدنى من تحقيق حلمهم بدولة مستقلة في العراق، وبإقليم مستقل في سوريا، وفرص أفضل بالنسبة لأكراد إيران، وأيضا تركيا.

لكن يبدو الأكراد اليوم أضعف من أي وقت مضى، وسط تجاذبات سياسية داخلية، وأزمات متواصلة مع الحكومة المركزية في بغداد، التي تسيطر عليها إيران، وتحالفات إقليمية ودولية متغيرة من منطقة إلى أخرى، الأمر الذي يضعف أيضا من آمال بقية الأقليات الكردية في المنطقة، فالجبهة الكردية الأقوى أصبحت غير قادرة حتى على حماية أراضيها وحماية الأكراد الإيرانيين الذين لجأوا إليها هربا من سطوة النظام.

بعد عام 1991 اتفقت هذه الأحزاب مع القوى الكردية في الإقليم على البقاء في مقراتها في مدن كردستان والعمل بحرية شريطة عدم القيام بنشاطات عسكرية ضد إيران

ويزداد الضغط الإيراني على إقليم كردستان العراق، خصوصا في  مناطق شرق الإقليم. وينقل هونر حمه رشيد، الصحافي في موقع “نقاش”، عن قياديين في أحزاب كردية معارضة للنظام الإيراني، أن طهران تلاحق معارضيها من الأكراد الإيرانيين كما العراقيين.

وتقيم الأحزاب الكردية المناهضة لإيران في إقليم كردستان منذ عقود. وبعد عام 1991 اتفقت هذه الأحزاب مع القوى الكردية في الإقليم على البقاء في مقراتها في مدن كردستان والعمل بحرية شريطة عدم القيام بنشاطات عسكرية ضد إيران.

وتقول الرواية الرسمية لحادث محاولة اغتيال حسين يزدان بنا إنه فيما كان القيادي الكردي متوجها من منزله في مدينة أربيل إلى منزل والدته تعرض لإطلاق نار بأسلحة كلاشنيكوف من قبل شخصين كانا يستقلان دراجة نارية وقد أصيب في كتفه إصابة خفيفة.

 ويعد حزب حرية كردستان أحد الأحزاب الكردية الإيرانية، التي تملك مقرات في إقليم كردستان منذ أعوام، وشارك منذ عام 2014 في المعارك ضد داعش إلى جانب قوات البيشمركة. وحمّل خليل نادري، مسؤول العلاقات في حزب حرية كردستان (باك) إيران مسؤولية هذه العملية وغيرها من الاغتيالات التي حدثت خلال الفترة الماضية.

نفوذ إيراني في شرق كردستان

إلى جانب محاولة اغتيال حسين يزدان بنا، شهد إقليم كردستان خلال الشهرين الماضيين مقتل وإصابة كوادر وقادة من الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني. ويعد هذا الحزب من أقدم الأحزاب الكردية في الإقليم. وشن أكثر من مرة هجمات مسلحة على مصالح إيران في السابق.

وتتواجد المقرات الرئيسية للحزب الديمقراطي في مدينة كويسنجق، التابعة لمحافظة أربيل، كما يعيش معظم كوادره في مناطق تابعة للمحافظة، إلا أنها لم تعد منطقة آمنة لهم إذ يجدون أنفسهم في خطر دائم كما يقولون.

وفي شهر مارس الماضي تعرض أعضاء في الحزب لمحاولتي اغتيال، إذ استهدف انفجار أمام أحد المنازل في بلدة بنه سلاوه التابعة لأربيل كادرين للحزب يدعيان صباح رحماني وصلاح رحماني وقد لقيا مصرعهما. وبعد أيام من الحادث وفي ليلة السادس من مارس تعرّض قادر قادري، وهو من قادة الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، لوابل من الرصاص عندما كان يزور منطقة باليسان – جوار قورنه (شرق السليمانية) بسيارته. ووجدت جثته في إحدى القرى القريبة من المنطقة وعليها آثار أكثر من 20 رصاصة.

حزب حرية كردستان الإيراني يتهم طهران بالضلوع في محاولة اغتيال أمينه العام حسين يزدان بنا
حزب حرية كردستان الإيراني يتهم طهران بالضلوع في محاولة اغتيال أمينه العام حسين يزدان بنا

وبعد الحادثين أصدرت لجنة الإعلام في الحزب الديمقراطي الإيراني بيانا اتهمت فيه طهران بالقيام بالعمليتين. وفي الثلاثين من الشهر نفسه قتل عضو من الحزب ذاته في مدينة سوران التابعة لمحافظة أربيل. وأعلن هاوار اركوشي، المتحدث باسم شرطة سوران، فيما بعد “قتل عضو الحزب الديمقراطي من قبل ابنه البالغ 22 عاما بعشر رصاصات”، إلا أن مسؤولي الحزب لا يعتبرون الأمر حادثا اعتياديا أو مشكلة اجتماعية، كما أعلنت الشرطة، بل يعدونه محاولة اغتيال، متهمين الجانب الإيراني بالضلوع فيها.

وقال محمد صالح قادري، مسؤول العلاقات في الحزب الديمقراطي في أربيل، “بناء على متابعاتنا فإن جميع الحوادث هي محاولات اغتيال تقف وراءها إيران”. وأضاف “تقوم الجمهورية الإسلامية بتلك العمليات لمعاداة الأحزاب المعارضة لها، ولذلك علاقة بالنشاطات الكثيرة والمؤثرة لتلك الأحزاب وهي تريد التقليل من شأنها”.

وتؤكد جمعية حقوق الإنسان في كردستان أنه تم استهداف أكثر من عشرة أشخاص من كوادر وأعضاء الأحزاب الكردية المعارضة لإيران، التي اتّخذت من إقليم كردستان مقرا لها. وقال أرسلان يار أحمد، مسؤول الجمعية، إن “جميع الاغتيالات نفذت من قبل إيران”.

وأوضح في تصريحاته التي نقلها موقع “نقاش” أن العمليات يجري تنفيذها “عن طريق عناصر من فيلق القدس ومرتزقة”، مشيرا إلى أنه “تم إلقاء القبض على بعضهم من قبل الأحزاب واعترفوا خلال التحقيقات بأنهم كلفوا بالقيام بتلك العمليات”.

وقال الحزب الديمقراطي الإيراني في بيان بعد اغتيال قادر قادري إن “الأجهزة الأمنية المعنية في الإقليم واللجنة الأمنية للحزب بدأتا التحقيقات حول الخيوط الأولية للحادث كما تم إلقاء القبض على خمسة متهمين في القضية بينهم مخطط العملية ومنفذوها (أربعة منهم من جنوب كردستان يعود أصل أحدهم إلى شرق الإقليم) واعترف مخطط العملية بأنه خطط للاغتيال بطلب وتنسيق مع جهاز الإطلاعات الجاسوسي والقاتل للجمهورية الإسلامية”.

وذكر إبراهيم زيوائي، ممثل الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني في أربيل، أن مناطق الإقليم كانت لفترة طويلة مناطق آمنة ومستقرة بالنسبة لهم، ولكن الأحداث الأخيرة أوصلتهم إلى نتيجة أنها لم تعد آمنة لهم.

إيران، وأذرعها في العراق، استغلت فوضى الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، لتصفية قادة الأحزاب الكردية المعارضة

وأضاف “لدى إيران برامج واستراتيجيات في المنطقة، إحداها (إحدى هذه الاستراتيجيات) معاداة القوى المعارضة لها ولا سيما الأطراف الكردية، وتقول لنا الأحداث الأخيرة إنها تركز على تنفيذ استراتيجيتها”.

وقال زيوائي “لقد توسع النفوذ الإيراني في المنطقة كثيرا ولا سيما بعد أحداث السادس عشر من أكتوبر الماضي التي أطلقت يد طهران في المنطقة تماما”. 

تصعيد خطير

يوم السادس عشر من أكتوبر استيقظ الأكراد على عمليّة انسحاب البيشمركة من كركوك والمناطق المتنازع عليها بين أربيل وبغداد دون قتال الجيش العراقي وقوّات الحشد الشعبيّ التي قادها أبومهدي المهندس، نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، الموالي لإيران.

ويشير المسؤولون الأكراد إلى أن إيران، وأذرعها في العراق، استغلت فوضى الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، لتصفية قادة الأحزاب الكردية المعارضة في العراق. ونقل موقع نقاش عن رضا الكعبي، مسؤول الهيئة العاملة لجمعية كادحي كردستان إيران، وأحد مسؤولي المعارضة الإيرانية الآخرين في إقليم كردستان الذي نجا من محاولة اغتيال، أن “حرية التحرك التي يتمتع بها الجانب الإيراني وصلت إلى حد أنه بدأ منذ فترة يغتال قادة وكوادر الأحزاب الكردية الإيرانية وقد تنامت الحالة وأصبحت ظاهرة”.

وحذّر الكعبي من استمرار العمليات قائلا “إذا استمرت هذه العمليات فستؤثر على الوضع الأمني لإقليم كردستان تماما، لأن إيران لديها خطط لتوسيع نفوذها في المنطقة”. ويطالب مسؤولو الأحزاب الإيرانية الأطراف في الإقليم وخصوصا ممثلية حكومة الإقليم في طهران بالضغط من أجل منع تلك العمليات، لأنها سترد إذا ما استمرت.

وفي السنوات الماضية، وقعت اشتباكات بين مقاتلين في الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني والحرس الثوري الإيراني في شمال غرب إيران في يونيو ويوليو الماضيين أسفرت عن وقوع عدد من القتلى بين الجانبين.

6