كردستان العراق مثال لنمط جديد في علاقة الأقاليم بالدولة

الخميس 2014/06/12
يتم نقل النفط من حقول قرب كركوك إلى ميناء جيهان التركي عبر خط أنابيب طوله 941 كم

واشنطن – يرى الباحثان مارينا وديفيد أوتاوي أن المحافظات العراقية غير الراضية عن الحكومة المركزية، بقيادة نوري المالكي، المتهمة بالفساد والاستبداد ستحذو حذو إقليم كردستان العراق وتطالب باستقلالها. والمثال على ذلك محافظة نينوى المتكوّنة من أغلبية سنية عربية.

دفعت الاضطرابات الطائفية والإثنية في سوريا وفي مختلف أنحاء الشرق الأوسط عددا من الملاحظين إلى توقع انقسام مرتقب في بعض الدول العربية، وأصبح هذا الانقسام المحتمل يسمى نهاية “سايكس-بيكو”، في إشارة إلى المعاهدة الأنكليزية الفرنسية المبرمة سنة 1916 لتقسيم المقاطعات العثمانية في الشرق الأوسط إلى مناطق نفوذ أنكليزية وفرنسية. ومنذ ذلك الوقت حافظت الدول العربية المحدثة بعد الحرب العالمية الأولى على الخطوط الكبرى لتلك المعاهدة ولم تتغير تقريبا إلى حد اليوم.

لكن بالرغم من أن الصراع الجاري حاليا يعبر الحدود ويدفع بعض البلدان مثل سوريا نحو الانقسام، فهناك قوة أخرى تجتاز الحدود الوطنية وتعيد تنظيم العلاقات بين البلدان ألا وهي التجارة.

لقد جعلت مناطق جديدة للتعاون الاقتصادي الحدود في الشرق الأوسط سهلة الاختراق لكن بشكل لا يهدّد الدول القائمة بشكل مباشر.

تتضح هذه الدينامية بصفة كبيرة على الحدود بين تركيا وكردستان العراق حيث تحدت صفقات النفط المبرمة في السنوات الأخيرة بصفة مباشرة (وخاصة مع تركيا) مطالبة بغداد بالتفرد في التحكم في الثروات الطبيعية.

كما أن التعاون الاقتصادي يبرز كبديل للعنف السياسي، إذ نرى أن قبرص وتركيا واليونان تتفاوض حاليا حول خطوط نفط وغاز مشتركة بالرغم من خلافاتها، وكذلك الشأن بالنسبة إلى السودان وجنوب السودان اللتين قبلتا التعاون من أجل تصدير نفط بينهما بعد الانفصال سنة 2011.

وبالرغم من أنه لا يمكن القول إن التعاون الاقتصادي حل لجميع المشاكل في أي مكان من هذه الأماكن، إلا أنه يسمح للدول بالتوحد بطرق جديدة عوضا عن التعرض لمخاطر الانقسام.


النموذج الكردستاني


في مقابل العنف والصراع الطائفي الدائر في سوريا ولبنان والعراق وما يحمله ذلك من مزيد التشظّي والانقسام، هناك شيء آخر يحدث في إقليم كردستان العراق شبه المستقل.

لقد حقق هذا الاقليم ازدهارا جديدا عن طريق التعاون العابر للحدود قد تحاول مقاطعات أو حتى بلدانا أخرى في المنطقة تقليده.

منذ سنة 1991 أصبح إقليم كردستان العراق يتمتع بحكم ذاتي فعلي عندما فرضت الولايات المتحدة منطقة جوية محظورة.

أدت سيطرة نوري المالكي على السلطة المركزية إلى إشعال عنف طائفي، وهو ما أثار بدوره شكوكا في قدرة العراق على الإبقاء على وحدته

لقد كان من الممكن أن تشجع هذه الحماية الأميركية كردستان على إعلان استقلالها عن العراق وبذلك تربك النظام الحدودي القائم، لكن الأكراد خيروا خدمة مصالحهم الاقتصادية داخل تلك الحدود.

بعد الغزو الأميركي للعراق أقرّ الدستور العراقي الجديد نظاما فدراليا وأعطى إقليم كردستان درجة كبيرة من الحكم الذاتي على محافظات دهوك وإربيل والسليمانية.

لكن تبقى هناك خلافات بين الحكومة الكردية والحكومة المركزية في بغداد خاصة في ما يتعلق بالتحكم بنفط وغاز الإقليم، فبغداد تؤكد أن العائدات النفطية يجب أن تذهب إلى الحكومة المركزية التي تتولى لاحقا توزيعها على المحافظات الكردية الثلاث وبقية المحافظات العراقية.

ومن المفترض أن تستلم كردستان – اعتمادا على نسبة سكانها – 17 بالمئة من مداخيل النفط العراقية الجملية، لكن الحكومة الإقليمية الكردية تقول إن نصيب كردستان لا يتجاوز 11 بالمئة من نفط العراق وذلك بعد خصم الدفوعات للشركات النفطية ومساهمة الإقليم في مصاريف الدفاع الوطني والشؤون الخارجية.

حاولت الحكومة الكردية المحلية الحصول على الاستقلالية المالية لأول مرة في عهد صدام وذلك عبر إمضاء عقود استكشاف نفط مع شركات طاقة صغيرة في سنة 2002. لكن بعد تفعيل الدستور سعت إلى إبرام العقود بصفة مستعجلة بالرغم من أنه لم يكن واضحا إن كانت مخوّلة قانونيا لفعل ذلك.

وفي سنة 2007 اتخذت الحكومة الإقليمية خطوة أخرى في اتجاه حرية التصرف في ثرواتها النفطية وذلك بأن صادق البرلمان الكردي على قانون خاص به ينظم عقود النفط والغاز ويسمح بإجراء صفقات سخية لاقتسام الإنتاج مع الشركات الأجنبية.

محاولة بغداد تعطيل التعاون الكردي التركي يمكن أن تأتي بنتائج عكسية، حيث تستفز الحكومة المحلية الكردية لإعلان الاستقلال التام لكردستان

وهكذا تدفقت الشركات العالمية الكبرى والصغرى من عدة بلدان للتنقيب عن النفط والغاز في كردستان الذي يقدره الخبراء بحجم 45 مليار برميل من النفط ومن 99 تريليون إلى 201 ترليون قدم مكعب من الغاز.

ولكي تصدّر إنتاجها من مواد الطاقة قامت حكومة الإقليم الكردي بمد أنبوب يربط مدينة حقل طقطق وسط كردستان بالحدود التركية، حيث سيربط بخط سيهان التركي على ضفة المتوسط، وهو ما يمثل تحديا مباشرا لمطالبة بغداد بحق التحكم الفردي في النفط العراقي.

وكانت تركيا متعاونة مع كردستان، إذ وافقت على ربط خط الأنابيب الجديد بخط سيهان، والأكثر من ذلك وافقت أنقرة على إيداع الأموال المتأتية من خلاص النفط الكردي في حساب بنكي كردي في تركيا عوضا عن الحساب الوطني العراقي في نيويورك حيث تودع كل الدفوعات مقابل النفط العراقي.

وحرصت تركيا على الحفاظ على علاقات طيبة مع كل من العراق وكردستان، وكثّفت معاملاتها التجارية مع الإقليم الكردستاني نظرا إلى أنه مثل مناخا أكثر ملاءمة من المناخ العراقي بالنسبة إلى الأعمال التركية بفضل الأمن النسبي السائد هناك.

وبحلول سنة 2012 تركزت 70 بالمئة من التجارة بين البلدين في إقليم كردستان بالرغم من أن الإقليم لا يضم إلا سدس سكان العراق.


في طريق الاستقلال


يمثّل التعاون بين أنقرة والحكومة الكردية المحلية تحديا مباشرا لآمال بغداد في المحافظة على عراق تحكمه سلطة مركزية.

لكن تجدر الإشارة إلى أن حكومة الإقليم لم تسع وراء مصالحها الاقتصادية الخاصة من فراغ، فبغداد برهنت على عجزها عن استعمال عوائدها النفطية لإعادة بناء البلاد، مما دفع بأربيل إلى المضي قدما نحو الاستقلالية.

إن الرؤيا التي ستتغلب في النهاية ستكون لها تبعات عميقة لمستقبل العراق والمنطقة بأسرها.

وقد أدت محاولة نوري المالكي للمحافظة على السلطة المركزية وعلى المحافظات العراقية إلى إشعال عنف إثني وطائفي، وهو ما أثار بدوره شكوكا في قدرة العراق على الإبقاء على وحدته.

وفي هذا السياق، أي محاولة من بغداد لتعطيل التعاون الكردي التركي يمكن أن تأتي بنتائج عكسية، حيث تستفز الحكومة المحلية الكردية لإعلان استقلال كردستان.

في نهاية الأمر لا أحد من الطرفين يريد تلك النتيجة، فبغداد لا تريد أن تخسر كردستان ونفطها، وكردستان ليست مستعدة لمواجهة التحديات التي يفرضها الاستقلال بما في ذلك خسارة العائدات النفطية على المدى القريب والإضرار بالعلاقات الكردية مع تركيا والدخول في مسار طويل ومكلف من أجل الحصول على الاعتراف الدولي.

إلى جانب المخاطرة بفقدان السيطرة على نفط كردستان هناك أسباب أخرى وجيهة تجعل بغداد لا تقبل استقلال كردستان، من أهمها أن المحافظات العراقية الأخرى غير الراضية على الحكومة المركزية المتهمة بالفساد والاستبداد ستحذو حذو كردستان وتطالب باستقلالها.

والمثال على ذلك محافظة نينوى، الواقعة شمال العراق، والمتكوّنة من أغلبية سنية عربية، فبعد أن كان سكّان نينوى يعارضون في البداية استقلال كردستان باعتباره الخطوة الأولى في انقسام الوطن بدؤوا يغيرون رأيهم ليطالبوا هم أنفسهم بحكم شبه ذاتي في إطار فدرالي.

وبالرغم من تصويت مجلس المحافظة لفائدة هذا التغيير قامت بغداد بتعطيل هذه العملية، وفعلت نفس الشيء مع مطالب مشابهة من عدة محافظات أخرى سنية وأيضا شيعية كانت مجالس نوابها قد صوتت لفائدة خيار الحكم شبه الذاتي ومنها البصرة والأنبار وديالى وصلاح الدين.


النمط الكردستاني يتوسّع


بالرغم من الأعمال العدوانية والصراعات الطائفية والإثنية المنتشرة في المنطقة مازال بإمكان المحافظات الطائفية والإثنية، في العراق، تقليد النمط الكردستاني، وذلك عبر السعي وراء الاستقلالية والتعاون داخل حدود منطقة اقتصادية أوسع مع البقاء داخل الحدود الوطنية القديمة. مثلا يمكن لسوريا التي تمزّقها الحرب اتخاذ هذا الخيار حالما تتوقف الحرب ويشرع السوريون في التفكير في طريقة يعيشون بها معا.

لعل هذا هو الخيار الأمثل بما أنه أصبح من الصعب استعادة الدولة البعثية المركزية بينما ستكون لتقسيم البلاد إلى دويلات صغيرة عواقب وخيمة.

هذا الحل المبني على التعاون الاقتصادي يمكن أن يمثل مخرجا لصراعات أخرى في شرق المتوسط وشمال أفريقيا. مثلا بعد عقود من المحاولات الفاشلة لحل الخلافات بين اليونان وتركيا حول جزيرة قبرص المقسمة ظهرت في سنة 2011 بشائر أمل مع اكتشاف حقل غاز طبيعي ضخم في المياه القبرصية الجنوبية.

يمكن اعتبار أن التعاون الاقتصادي يسمح للدول المنفصلة بالوحدة بطرق جديدة عوضا عن التعرض لمخاطر الانقسام

والمشروع الذي يتفاوض حوله الأتراك والقبارصة اليونانيون يتمثل في إنشاء خط أنابيب ينطلق من قبرص اليونانية ليعبر الشمال الذي تسيطر عليه تركيا ثم يواصل إلى تركيا ليربط بخط الأنابيب الأدرياتيكي المصادق عليه مؤخرا والذي سيمر باليونان وألبانيا في طريقه إلى إيطاليا.

وفي السودان آجلا أم عاجلا يتحتم على الجارتين في الجنوب والشمال التعاون من أجل استغلال وتسويق الاحتياطات النفطية الضخمة وذلك بعد أن مر الجانبان بحرب أهلية مدمرة دامت أكثر من عشرين سنة. وفي هذا الاتجاه وبعد وقف الجنوب تصدير نفطه عبر خط الأنابيب السوداني الشمالي احتجاجا على الرسوم المشطة ساد التعقل لحل الخلافات وتوصل الطرفان إلى حل وسط يسمح باستئناف تصدير النفط الجنوبي وفتح الحدود بين البلدين لحرية العبور والتجارة.

من المستحيل توقع الحصيلة على المدى البعيد في ما يتعلق بالتهديدات التي تتربص بالنظام الإقليمي في الشرق الأوسط.

إن الدول التي تمزقها الحرب والصراع الداخلي مثل سوريا يمكن أن تتعرض للانقسام، بينما البلدان التي تتبع أجندا تعاون اقتصادي نجاحها غير مضمون، إذ أن السياسات التجارية والجهود من أجل التعاون الاقتصادي يمكن أن تسقط ضحية القوى ذات التوجه القومي التي قادت السياسة العربية على مدى عقود.

لكن أمل تكوين شراكات اقتصادية عابرة للحدود يمكن أن يحد من إمكانية عودة الدولة المركزية الاستبدادية من جهة، والانقسام العنيف إلى مقاطعات إثنية وطائفية صغيرة من جهة أخرى.


* دراسة نشرت بمجلة (Foreign Affairs) بعنوان “كيف عثر أكراد العراق على طريقهم”، ترجمة منصف الخرّوبي


7