كردستان العراق يمضي قدما في استفتاء الانفصال رغم المعارضة

ضربت حكومة إقليم كردستان العراق بعرض الحائط كل الدعوات الرامية إلى العدول عن قرارها بإجراء استفتاء مثير للجدل يتيح لها حكما ذاتيا كاملا بعيدا عن أعين الحكومة المركزية في بغداد التي تعارضه بشدة، وهو ما اعتبره مراقبون خطوة باتجاه المزيد من التوترات في منطقة تعيش على صفيح ساخن في ظل الحرب المستمرة ضد المتطرفين.
الأربعاء 2017/09/06
ملامح التصعيد تلوح في الأفق

أربيل (العراق) - تهيمن حالة من الترقب داخل الأوساط السياسية في بغداد بعدما أبدى إقليم كردستان العراق إصرارا على المضي قدما في تنظيم استفتاء الانفصال المثير للجدل، وسط تزايد الدعوات المحلية والدولية لتأجيله.

وبدأت في الإقليم الثلاثاء، بشكل رسمي الحملات الدعائية لاستفتاء الانفصال عن بغداد والتي تستمر لثلاثة أسابيع تقريبا، وتنتهي قبل ثلاثة أيام من موعد الاستفتاء المقرر في الـ25 من هذا الشهر.

وانطلقت الحملة بتجمع جماهيري في مدينة أربيل عاصمة الإقليم حيث رفعت خلالها أعلام إقليم كردستان وشعارات تؤيد انفصاله عن العراق وتدعو إلى المشاركة في الاستفتاء والتصويت بـ”نعم” للاستقلال.

ويواجه انفصال الأكراد عن العراق معارضة داخلية وخارجية شديدة، باعتبار وأنه سيتسبب في مشكلات لا حصر لها مستقبلا، لا سيما وأن البلاد تعاني من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، في ظل الحرب على الإرهاب.

وحذر رئيس الوزراء حيدر العبادي مرارا من المخاطر التي قد يسببها هذا الاستفتاء على المكونات الاجتماعية في العراق، مشددا على أن حكومته لن تتعامل معه بتاتا، وقد اعتبره “غير شرعي ولا دستوري”.

ودعت حركة التغيير والجماعة الإسلامية الكردستانية، الحزبان الكرديان الرئيسيان ببرلمان الإقليم، عشية الحملة، إلى تأجيل الاستفتاء وسن قانون بشأنه، وأكدتا أيضا أن مسألة الاستفتاء تخص المؤسسات التشريعية حصرا.

وأثيرت داخل الأوساط الكردية العراقية الشهر الماضي، إمكانية تأجيل الاستفتاء، الذي بدأ مع اقتراب موعده يتحوّل إلى أزمة سياسية في الداخل العراقي وحوله.

وقال ملّا بختيار، مسؤول الهيئة العاملة للمكتب السياسي لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، إن “أكراد العراق قد يدرسون احتمال تأجيل الاستفتاء مقابل تنازلات مالية وسياسية من الحكومة المركزية في بغداد”.

ويقول مراقبون إن إعلان الحملة الدعائية أسقط تلك التكهنات نظرا إلى تعنت حكومة الإقليم في تقرير المصير، كما تزعم، ومستندة على رغبات شريحة واسعة من الأكراد في الانفصال، والذي أظهره الاستفتاء الشكلي العام الماضي حيث صوت نحو 95 بالمئة منهم على ذلك.

وأشاروا إلى أن الأكراد يساورهم القلق إزاء الدور السياسي المتنامي للميليشيات الشيعية في العراق والضغوط المستمرة نحو فرض حكم الأغلبية في بغداد بدلا من الحكم القائم على مبدأ التوافق السياسي، فضلا عن عجز العبادي عن معالجة الشرخ بينهما.

أليستر بيرت: مقارنة استفتاء كردستان بمكان آخر أمر صعب بسبب الوضع في المنطقة

وأوقفت حكومة بغداد دفعات التمويل من الميزانية الاتحادية لحكومة كردستان في عام 2014 والتي تبلغ نحو 17 بالمئة من الموازنة العامة للدولة العراقية، بعد أن بدأ الأكراد في تصدير النفط بشكل مستقل عبر خط أنابيب إلى تركيا.

وتتخوف الولايات المتحدة ودول غربية مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا من أن يشعل الاستفتاء صراعا جديدا للأكراد مع بغداد، وأيضا تركيا وإيران ويصرف الانتباه عن الحرب الدائرة ضد تنظيم داعش.

وحث أليستر بيرت، الوزير البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خلال لقائه بقوباد طالباني، نائب رئيس حكومة الإقليم الاثنين، الأكراد على مواصلة الحوار مع بغداد حول الاستفتاء.

وقال بيرت إن “مقارنة استفتاء إقليم كردستان بمكان آخر أمر صعب، بسبب اختلاف الوضع من منطقة إلى أخرى وما يتلاءم مع وضع هذه الدول”، لافتا إلى أن العلاقة التي تربط بلاده بأسكتلندا، مثلا، تختلف كليا عن الوضع في العراق.

ومارس وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون الشهر الماضي، ضغوطا كبيرة على الأكراد وطلب بشكل رسمي من مسعود البارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، تأجيل الاستفتاء.

ونقلت وكالة رويترز عن البارزاني قوله في يوليو الماضي إن “الأكراد سيتحملون مسؤولية نتيجة الاستفتاء المتوقعة وهي تأييد الاستقلال وتطبيق ذلك عبر الحوار

مع بغداد وقوى إقليمية لتجنب الصراع، وعلينا تصحيح تاريخ سوء المعاملة بحق شعبنا”.

وتعيش غالبية الشيعة في جنوب العراق، فيما يقطن الأكراد والعرب السنة في الشمال، ويسكن وسط البلاد حول العاصمة بغداد خليط من الأعراق والطوائف المختلفة.

وكانت مفوضية الانتخابات والاستفتاء في الإقليم قد أعلنت الاثنين الماضي، أن قرابة 5.5 ملايين شخص سيشاركون في الاستفتاء في كل من كردستان ومدينة كركوك والمناطق الخاضعة لسيطرة البيشمركة في محافظة نينوى.

وقال شيروان زرار، المتحدث الرسمي باسم المفوضية، في مؤتمر صحافي عقده في أربيل، إن “المناطق الخاضعة لسيطرة البيشمركة في نينوى سيجرى فيها الاستفتاء، وقد خاطبونا رسميا ونحن بدورنا أجبناهم”.

واستفزت هذه الخطوة بغداد التي وصفها العبادي بـ”الخاطئة”، واعتبرتها أيضا طهران وأنقرة تمهيدا لإذكاء المزيد من الصراعات في العراق والمنطقة وتضعف جهود مكافحة الإرهاب.

وتعارض كل من تركيا وإيران وسوريا التي تقطنها مجتمعة أعداد كبيرة من الأكراد استقلال كردستان عن العراق.

وقال محسن رضائي، الأمين العام لمجمع تشخيص مصلحة النظام الإيراني، الذي يزور العراق حاليا إن “تقسيم العراق خطأ فادح واستفتاء كردستان سيؤدي إلى تداعيات خطيرة في المنطقة ونحن ضده”.

وأوضح أن سبب معارضة العراق وإيران وتركيا وسوريا الشديدة للاستفتاء هو “احتمال امتداد النزعات الانفصالية في المنطقة التي من الممكن أن تزعزع الأمن لعقدين من الزمن”.

واعتبرت تركيا قرار محافظة كركوك بشمولها في الاستفتاء بأنه انتهاك خطير لدستور العراق، مشيرة إلى أن القرار اتخذ وسط مقاطعة الكتلتين العربية والتركمانية.

3