كردستان في مهب عاصفة الاستفتاء: غياب الحلفاء يسرع بالانهيار

بحماس تحركه إملاءات البحث عن هوية، تحرك ملايين الأكراد إلى صناديق الاقتراع في استفتاء رافق إعلان نتائجه تصعيد حدة ضغوطها على إقليم كردستان. وبينما تستمد تركيا وإيران رفضهما من القلق من تأثر الأقليات الكردية فيهما، ترفض الولايات المتحدة، وهي التي أخرجت الأكراد من قوقعتهم، استقلال الأكراد لأنها تفضل عراقا موحدا حتى لو كان دولة ضعيفة ولا مركزية، ففي حالة تفكك العراق ستتضاعف التهديدات وسيتعرض الحلفاء الإقليميون والأوروبيون للخطر أيضا، وستتأثر مصالح الولايات المتحدة.
السبت 2017/09/30
العقدة لن تحل

عبّر الأكراد في مناسبات كثيرة عن تطلعهم إلى إنشاء دولة قوامها الهوية الكردية، وجرت في الماضي محاولات عديدة باءت كلها بالفشل، لكن اليوم يبدو الوضع مختلفا وإن كانت الكفة تميل نحو عدم الاعتراف بنتيجة الاستفتاء الذي صوت فيه أكراد العراق يوم 25 سبتمبر 2017 بالأغلبية لصالح الانفصال.

يشبه الوضع اليوم إلى حد ما سيناريو ظهور جمهورية مهاباد من حيث الوضع الإقليمي والدولي المضطرب. فقد ظهرت هذه الدويلة بدعم سوفييتي سنة 1946 في إطار الأزمة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي من جهة وأزمة السوفييت مع إيران من جهة أخرى.

في تلك الفترة قام الزعيم الكردي الإيراني قاضي محمد مع الزعيم الكردي العراقي الملا مصطفى البارزاني بإعلان هذه الجمهورية التي لم تدم أكثر من 11 شهرا، حيث التقت المصالح السوفييتية والأميركية والإيرانية فانهارت الدولة الوليدة.

يتكرر سيناريو تضارب رغبة الأكراد في أن تكون لهم دولة مستقلة مع مصالح الدولة العراقية ومختلف الدول والقوى الإقليمية والدولية.

تكلفة عالية

كل ما يجري في إقليم كردستان، وحوله، يوحي بانهيار قريب وأزمة سياسية ساخنة تدفع إلى واجهة المشهد العراقي والإقليمي بعد اتفاق العراق مع دولتي الجوار تركيا وإيران على رفض الاستفتاء والانفصال.

وفي أولى الخطوات ردا على الاستفتاء حول استقلال الإقليم الشمالي، أعلنت السلطة المركزية عن تعليق الرحلات الدولية من مطاري أربيل والسليمانية اعتبارا من الجمعة التاسع والعشرين من سبتمبر 2017، فيما قامت بعض عشائر مدينة الخالص (في ديالى) بقطع الطريق الدولي من وإلى كركوك.

ورفضت حكومة إقليم كردستان العراق قرارات بغداد بحقها ووصفتها بـ “عقوبة جماعية بحق شعب كردستان”. ويتفاقم الوضع بانهيار لغة الحوار بين الجانبين، فبغداد تصرّ على تسمية مشروع الأكراد بالانفصال عن الوطن، فيما تتحدث أربيل عن استقلال قد يتحقق قبل نوروز المقبل (ربيع عام 2018)، ثم عادت نغمة المسؤولين الأكراد إلى تعبير استفتاء، بمعنى استمزاج رأي الأكراد في الاستقلال، ولا يعني بالضرورة أنّ الاستقلال سيقع. ما هو إيجابي، أنّ الجميع يتحدثون عن استبعاد خيار القوة، ولا تسمع قعقعة السلاح ولا يجري حشد الجحافل حتى الآن إلا من خلال أصوات خرجت عن دوائر المجاميع المسلحة هنا وهناك، تتحدث عن تحرك عسكري نحو كركوك.

أصوات كردية تحذر من حصار لن يدفع الرئيس وعائلته ثمنه بل سيدفعه الشعب الكردي كما حصل في التسعينات

الاستفتاء والضجيج الذي يرافقه، والفوضى التي ستنجم عنه، وغير المحسومة من الجانب الكردي، يمثل دون شك هروبا إلى الأمام لجأ إليه رئيس الإقليم مسعود البارزاني.

ويقول قيادي في حزب الاتحاد الوطني المنافس التاريخي للحزب الديمقراطي الكرستاني متحدثا إلى “العرب” طالبا عدم الكشف عن اسمه إنه “حين أطلق مسعود البارزاني مشروع الاستفتاء حول الاستقلال، وُضع الشعب كله رهينة خيارين؛ أما الذهاب إلى الاستفتاء والمشاركة فيه علنا باعتباره كرديا، ولا يوجد كردي في العالم لا يحلم بدولة كردية ولا يعلن رغبته فيها، وإما أن يعلن الكردي رفضه الاستفتاء ويختار خيانة قضيته الكبرى، فيخسر الجميع“.

ومضى القيادي المخضرم الذي أمضى أكثر من 40 عاما من عمره في نشاط سياسي كردي، تسنم خلاله عدة مناصب عليا أهلته لأن يكون قريبا من مركز القرار إلى القول “جماهير الاتحاد الوطني الكردستاني ذهبت إلى الاستفتاء، وحنّت أصابعها بالحبر البنفسجي، ولكن لا أحد يعلن أي رأي أدلى به، إلا أنّ نتائج الاستفتاء كشفت عن الحقيقة، فنسبة من قالوا نعم للاستقلال في السليمانية ومناطق سلطة الاتحاد هي 25 بالمئة فحسب، وهذا قد يفسر مثلا لماذا ما زالت إيران، وهي حليفة الاتحاد الأقرب، تتصرف بهدوء إزاء عاصفة الاستفتاء، وتُبقي المعابر الحدودية في مريوان وخانقين وغيرهما مفتوحة“.

وتحدثت علنا أصوات كردية من خارج الإقليم ومنها شومان هاردي المقيمة في الولايات المتحدة الأميركية عن “حصار لن يدفع الرئيس وعائلته ثمنه، بل سيدفعه الشعب الكردي، كما حصل في تسعينات القرن الماضي، حين غزا صدام الكويت، ففُرض على بلده حصار دولي دفع ثمنه غاليا الشعب العراقي ومعهم الأكراد رغم انفصالهم عن بغداد بموجب قرار حظر الطيران شمال خط العرض 36”.

وعارضت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الجوار والدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي اتخذت من الأكراد حليفا رئيسيا في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، بصراحة إجراء الاستفتاء؛ وحتى إسرائيل التي قيل إنها الطرف الوحيد الداعم لاستقلال الأكراد لم يصدر عنها سوى تصريح لرئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، مساء الثلاثاء (12 سبتمبر 2017) قال فيه إنّ “إسرائيل تدعم الجهود المشروعة للشعب الكردي من أجل إقامة دولته”.

وانتبه كل المراقبين إلى أنّ الدعوة إلى الاستفتاء في الإقليم ارتبطت بظهور تيار شعبي كردي علني واسع يدعو إلى التعاون مع إسرائيل والانفتاح عليها والتطبيع التام معها، ورُفعت أعلام اسرائيل علنا في شوارع الإقليم.

لكن وخلافا لهذا، لم يصدر عن إسرائيل أي موقف رسمي أو ردة فعل على الأرض يدعم خطوات كردستان خلال الحملة للاستفتاء أو بعد يوم التصويت.

وتحدث المحلل السياسي أنس الشيخ مظهر، المقرّب من الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى “العرب” معتبرا أنّ ما جرى “يفند جميع ما قيل عن وجود تنسيق بين إسرائيل وبين كردستان. إذا كانت إسرائيل تبدي موقفا مؤيدا لكردستان، فإنّ هذا لا يعني وجود تنسيق بينها وبين الإقليم. إسرائيل لها علاقات سياسية متوترة تتصاعد وتنخفض أحيانا مع تركيا، وهناك تصريحات إسرائيلية موجهة لتركيا بخصوص موضوع كردستان”.

في خضم التسريبات والهمس حول علاقات الإقليم بإسرائيل، يطرح تساؤل حول لماذا يُطالب الأكراد بتبني مواقف بعض العرب في معادة إسرائيل، وهم لا يملكون مع إسرائيل مشكلة تاريخية؟

يقول أنس الشيخ مظهر الشيخ “إذا كانت إسرائيل هي الوحيدة التي أيّدت ‘إعلاميا’ استفتاء أو استقلال كردستان، فليس مطلوبا مني أنا ككردي أن أعارض التأييد الإعلامي الوحيد الذي أتاني بشكل علني”؛ فيما يجيب الكاتب صادق الطائي عن هذا السؤال بالقول “أنا أطلب من الأكراد موقفا معلنا من إسرائيل ليس بصفتهم أكرادا بل كعراقيين”.

خيارات صعبة تعقد المرور إلى مرحلة ما بعد التصويت

تحالفات الصمت

أبدت الإدارة الأميركية معارضتها المعلنة للاستفتاء وما قد ينجم عنه معتمدة على أنّ عملا من هذا النوع سيقوض الجهد الدولي للحرب على داعش. أما عن روسيا، فقد قال وزير خارجيتها سيرجي لافروف في يوليو 2017 إنّ موسكو تأمل في أن تأخذ أربيل في الحسبان كل العواقب المحتملة لنتائج استفتاء الاستقلال لدى ترجمته إلى أرض الواقع.

وخلافا لذلك لم يصدر إعلان يكشف عن وقف رسمي رافض أو مؤيد للاستفتاء عشية وأثناء وقوعه، لكن حرص موسكو على مصالح استثماراتها في مشاريع الغاز في الإقليم والتي تصل إلى 4 مليارات يورو عززه إعلان وزير الطاقة الروسي، ألكسندر نوفاك، “إنّ الوزارة تدرس مخاطر تهديدات تركيا بشأن نقل نفط كردستان العراق” وتأكيده ضرورة الاستمرار في تنفيذ المشاريع الروسية الغازية والنفطية العملاقة في كردستان العراق بقوله “‘غازبروم نفط’ تنفذ في كردستان العراق مشاريع، وفق تعاون قديم، تم التوافق عليه من قبل جميع الأطراف، لذلك المشاريع يجب أن تستمر”.

وكان الرئيس التركي هدد بمنع تصدير النفط الذي يُستخرج من إقليم كردستان العراق ويُنقل إلى ميناء جيهان التركي قبل تصديره. وقال بشكل مباشر “الصنبور لدينا، وعندما نغلقه فلنر لمن سيبيعون النفط؟”. ومن غير المستبعد أن يتخذ التصعيد منحى أقوى ينتهي بإقليم كردستان العراق في عزلة دون أن تتوضح أي صورة عن مآلات الأزمة خصوصا مع غياب الحلفاء ما يشي بسرعة انيهار حلم الدولة المستقلة.

اقرأ أيضا:

◄ "كردستان العراق" سُرَّة ثانية في آسيا

6