كردستان والمأزق الجيوستراتيجي: ما تعجز عنه السياسة تحققه الجغرافيا

لئن تمكن الأكراد في العراق من تأمين مسارات جديدة لسياستهم عبر استفتاء الانفصال، فإن لعنة الجغرافيا لا تزال تطاردهم وتعمل على تعطيل أي مشروع قد يصب في اتجاه استقلالية الأكراد في أي منطقة، ويتجلى أبرز مثال في مساعي أكراد العراق إلى خلق مكان لهم في خارطة الشرق الأوسط بشكل منفصل عن الدولة العراقية.
الأربعاء 2017/10/11
الرقص على إيقاع التطورات في المنطقة

كان جلال الطالباني، الرئيس العراقي الأسبق (الذي رحل الثلاثاء 3 /10 /2017)، يردّد دائما حكمة كردية تقول “ليس للأكراد من صديق سوى الجبال”. وبقدر ما تحمل هذه الحكمة من مرارة، ففيها جزء كبير من الحقيقة ودروس تاريخية ينبغي استيعابها، ذلك أن الجغرافيا السياسية لطالما حكمت الأكراد.

كان القسم الأكبر من الأكراد يعيشون في حدود الدولة العثمانية، وأصبحوا لاحقا من مواطني ثلاث دول أنشئت بعد الحرب العالمية الأولى، هي: تركيا (عام 1923) بعد هزيمتها في الحرب ووفقا لمعاهدة لوزان، والعراق الذي تأسس عام 1921، وسوريا التي تأسست في العام 1925. والقسم الرابع كان في إيران.

قسّمت اتفاقية سايكس بيكو لعام 1916 البلاد العربية، كما تم أيضا تقسيم شمل الأكراد الذين كانوا ضحية صراع بين الإمبراطورية الفارسية والدولة العثمانية، لعدّة قرون. وكانت أرضهم جزءا من مساومات تاريخية بينهما، اشتملت عليها معاهدات مثل أرضروم الأولى 1823 وأرضروم الثانية 1848 وبروتوكول طهران عام 1911 واتفاقية القسطنطينية عام 1913 وصولا إلى معاهدة سيفر ما بعد الحرب العالمية الأولى. وهكذا حكمت الجغرافيا السياسية كردستان، إضافة إلى المصالح الدولية.

ظلّت القضية الكردية غائبة عن الأروقة الدولية منذ إبطال مفعول معاهدة سيفر، التي وقّعت سنة 1920، واعترفت بجزء من حقوق الأكراد، ولا سيّما بعد إبرام معاهدة لوزان، إلى غاية العام 1991 حتى صدور القرار 688، عن مجلس الأمن الدولي، والذي يتعلّق بكفالة احترام حقوق الإنسان والحقوق السياسية في المنطقة الكردية وبقية مناطق العراق، ووقف القمع باعتباره تهديدا للسلم والأمن الدوليين.

كان ذلك القرار، إضافة إلى قرارات دولية عديدة من نتائج مغامرة غزو الكويت في العام 1991 التي فرضت العقوبات الدولية على العراق. وصدر القرار تحت تأثير الهجرة الجماعية التي شملت مئات الآلاف من الأكراد باتجاه الجبال، “أصدقاؤهم الوحيدون”.

بعد ذلك اتخذت الدول الثلاث، بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، قرارا باعتبار خط العرض 36 والذي يشمل محافظات كردستان الثلاث السليمانية وأربيل ودهوك ملاذا آمنا، ومنعت القوات العراقية والطيران العراقي من التحليق فوقه.

إذا كان العيش المشترك بين بغداد وأربيل مستحيلا فسيكون الطلاق مكلفا وسيتحمل الطرفان مسؤولية ذلك

مرّة أخرى دخلت الجغرافيا السياسية على الخط بفعل التنسيق التركي- السوري- الإيراني، الذي ظلّ يتربّص بالتجربة الكردية الوليدة بعد انتخابات العام 1992 والتي رافقتها أخطاء عديدة، منها نظام المحاصصة، إضافة إلى القتال الذي اندلع بين طرفيها الرئيسين: الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.

وهنا أيضا كان للجغرافيا السياسية دور في الصراع الدموي الكردي- الكردي، فقد استعان الحزب الديمقراطي الكردستاني بالجيش العراقي في العام 1996 لطرد غريمه من أربيل، وكان الاتحاد الوطني الكردستاني ينسق مع إيران ضد عدوّه التاريخي، وقبل ذلك مع الحكومة العراقية ضد قوات الأنصار الشيوعية.

تتدخل الجغرافيا السياسية مرّة أخرى “لتقرير المصير” وقد حصل هذا في العام 1975، فإيران الشاهنشاهية والولايات المتحدة، سرعان ما تنكّرتا لحقوق الأكراد حيث قالتا إنهما تدعمانهم ضد حكومة بغداد.

لكن تُرِك الأكراد وحيدين بعد أن اشتدّ القتال بين قيادة القوات الكردية والحكومة العراقية في مارس 1974 واستمر لغاية مارس 1975. وتم الاتفاق في الجزائر بتوقيع اتفاقية بين الشاه محمد رضا بهلوي وصدام حسين، نائب الرئيس العراقي حينها، في 6 مارس. وأدى هذا الاتفاق إلى انهيار الحركة الكردية.

لم تنفع وقتها وعود وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر أو دعم الشاه. وترك هذا الأمر مرارة لدى الزعيم الكردي مصطفى البارزاني. وفي لحظة وجد البيشمركة أنفسهم أمام الجبل، الصديق الوحيد الصامد الذي جنى عليهم واحتضنهم وأخفاهم من القصف الذي يتعقبهم، تلك هي دكتاتورية الجغرافيا السياسية التي لا مردّ لها والتي يعيش في كنفها الفرس والترك والعرب والأكراد.

اليوم، يعيد التاريخ نفسه، وإذا كان في المرّة الأولى كمأساة ففي المرّة الثانية يبدو كمهزلة، خصوصا وقد بقي الأكراد بلا معين أو نصير أو داعم، وحتى من يدعم حقوقهم فإنه قد يثير التباسا وكراهية ضدهم في لحظة تاريخية مفصلية، مثلما تحاول “إسرائيل” إظهار تعاطفها مع حقوقهم، وهي التي تضطهد الشعب الفلسطيني وتحرمه من أبسط حقوقه.

وباستثناء قناعات فكرية ومبدئية بشأن “حق تقرير المصير”، كمبدأ قانوني وحقوقي للأكراد، فلا أحد يقف معهم، خصوصا في ظلّ سياسات وتطبيقات ستكون مثار خلاف شديد، إن لم يتم التوافق في شأنها وفي ظرف إقليمي ودولي لا بدّ من مراعاته.

إن اختيار “اللحظة الثورية”، أي انسجام الظروف الموضوعية مع الظروف الذاتية أمرٌ في غاية الأهمية إزاء استراتيجية وتكتيك أي حركة أو جماعة سياسية أو تنظيم حزبي، والأمر لا يتعلق بالاستفتاء فحسب، وهي خطوة حصلت وإن أثارت ردود فعل حادة، سواء بشأن توقيت الاستفتاء وما يترتب عليه، ولا سيّما في المناطق التي تسمّى “متنازعا عليها” ثم بخصوص إعلان الدولة التي لا تزال تثير التباسات عديدة، ولكن ماذا بعد الاستفتاء؟ وكيف سيتم وضع نتائجه موضع التطبيق في ظل انقسام كردي وغياب الوحدة الوطنية، ورفض عراقي؟

موضوع حقوق الأكراد في سوريا سيكون مطروحا على خط المفاوضات، في جنيف وأستانة، وفي أي حل دولي للأزمة السورية

كانت الشيعية السياسية الحاكمة قد اتفقت مع السنّية السياسية المشاركة مستنفرة دول الإقليم التي تهدد بالتدخل، سواء من جانب تركيا أو إيران، والأمر يتم بوسائل ناعمة أو خشنة، بالمقاطعة والحصار وإغلاق المنافذ الحدودية والتأليب الداخلي، فضلا عن وسائل قد تكون غير منظورة.

ليس هذا فحسب، بل إن أصدقاء الأكراد “الجدد”، وأعني بذلك قوى التحالف الدولي، ابتداء من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، اعترضوا على إجراء الاستفتاء أو تحفظوا عليه، وشددت قوى دولية عديدة بما فيها الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ودول عربية وخليجية ومرجعية السيستاني والأزهر الشريف، على وحدة الأراضي العراقية.

واعتبر العديد منها انفصال كردستان مقدمة لتقسيم المنطقة، وفق خرائط إثنية وعرقية ودينية وطائفية وجهوية، الأمر الذي سيثير نزاعات جديدة، إذا ما بدأت فقد تستغرق عقودا.

بسبب المصالح النفطية، لا تريد القوى الدولية التفريط في حلفاء أساسيين مثل تركيا التي هي عضو أساسي في حلف شمال الأطلسي، أمّا العراق فيمكن أن يذهب بعيدا بالاتجاه الإيراني، ولذلك فإن دعمه والحفاظ عليه موحدا سيكون لصالح استمرار الحفاظ على المصالح الدولية والإقليمية فيه.

كما أن موضوع حقوق الأكراد في سوريا سيكون مطروحا على خط المفاوضات، في جنيف وأستانة، وفي أي حل دولي للأزمة السورية، لا سيّما أن قوات التحالف تدعم قوات سوريا الديمقراطية، وهو ما سيمهّد لتفاهم روسي- أميركي على صيغة توافقية ترضي الطرفين، وتأخذ بنظر الاعتبار الموقف التركي.

وبخصوص إيران، فإن الولايات المتحدة والغرب عموما، يعملان على إحداث تغيير جذري داخلها، ولعلّ أي تغيير في إيران أو تركيا ستكون القضية الكردية مطروحة فيه، وهكذا تبقى كردستان محكومة بالدكتاتورية الجيوسياسية، التي تحتاج إلى تغييرات عميقة باتجاه حلول ديمقراطية في المنطقة لإحداث نوع من أنواع القبول بكيان كردي جديد، وقد يكون سابقا لأوانه في ظل اختلال توازن القوى، تصوّر قيام حالة كردية مستقلة ومنفردة في ظل غياب وحدة وطنية كردية.

ومن الضروري البدء بالحوار لتطويق ما هو حاصل. وممكن تحقيق ذلك من خلال مسارات عديدة منها: قبول حدود ما قبل 19 مارس 2003 والتفاوض بشأن المناطق المتنازع عليها وقضايا الحدود والنفط وشكل العلاقة المستقبلي؛ أو البقاء في العراق وفي إطار الدولة الفيدرالية الموحدة أو في إطار شكل جديد، ربما يكون كنفيدراليا بتعديلات ضرورية للدستور، وإن كان الشكل الحالي أقرب إليه. ولكن، إذا كان العيش المشترك مستحيلا فسيكون الطلاق مكلفا وسيتحمّل الطرفان مسؤولية ذلك، خصوصا إذا ما تجنّبنا خيار الحرب، وهو الخيار الأكثر كارثية.

وبالنسبة إلى إقليم كردستان، لا بدّ من قراءة اللوحة الجيوسياسية جيدا، حيث إنه محاط بجيران غير مرحّبين بالكيان الجديد، إذا تقرّرت إقامته عنوة ودون اتفاق مع الأطراف المعنية، ولا سيّما في ظل موقف دولي غير مشجع.

كاتب عراقي

6